د. طلال الحربي
ثمة لحظات في مسيرة الحضارة الإنسانية تتجاوز فيها الأحداثُ إطارَها الزمني المحدود لتغدو علامةً فارقة في ذاكرة التاريخ، ولعل استضافة الرياض للنسخة الرابعة من منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الممتدة من الرابع عشر حتى السابع عشر من سبتمبر المقبل واحدةٌ من تلك اللحظات التي تستوجب التأمل العميق والاستقراء الرصين لا الاحتفاء العاطفي العابر، فما يجري إعداده في رحاب العاصمة السعودية ليس مجرد تجمّع نخبوي لصفوة المفكرين والمتخصصين، بل هو في جوهره مشاورةٌ حضارية كبرى تجلس فيها الإنسانية بأسرها إلى طاولة المساءلة، تسأل نفسها بصدق: إلى أين يمضي بنا هذا التحول التقني الهائل، وكيف نضمن أن يظل في خدمة الإنسان لا في إعناته؟
لا يكون اختيار مدينة بعينها لاحتضان حوار عالمي بهذا الثقل مجرد ترتيب لوجستي، فالمكان رسالةٌ قبل أن يكون فضاءً، والرياض اليوم وهي تُقبل على هذا الدور المحوري تعكس تحولاً إستراتيجياً عميقاً في مكانة المملكة العربية السعودية ضمن المنظومة الدولية، فقد غدت هذه المدينة الراسخة في موروثها الحضاري والمندفعة نحو أفق رؤية 2030 بكل شجاعة وثقة نموذجاً حياً يثبت أن الجذور الأصيلة والطموح المستقبلي لا يتعارضان بل يتكاملان ويتناغمان. وقد انتقلت المملكة بذلك من موقع المُستهلك للتقنية إلى موقع مَن يشارك في رسم قواعد اشتغالها الأخلاقي والحوكمي على الصعيد الكوني، انتقالاً لم يأتِ صدفةً بل جاء ثمرةً لمنظومة متماسكة من الاستثمار في رأس المال البشري وتكريس البنية التحتية الرقمية وتبني سياسات جريئة تضع الإنسان في قلب المعادلة التنموية.
يمثّل هذا المنتدى اليوم أحد أرفع المحافل الدولية التي تتصدّى لأعقد أسئلة عصرنا، وستجمع نسختُه الرابعة طيفاً استثنائياً من قادة التكنولوجيا وصناع السياسات ورؤساء المنظمات الدولية ورجال الفكر والأكاديميا في مناخ حواري يستدعي الموضوعية العلمية والجرأة الأخلاقية معاً. وتنهض الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” بمهمة التنظيم والتنسيق لهذا الحدث الاستثنائي في شراكة متينة مع اليونسكو وبالتوافق مع اللجنة الوطنية السعودية للتربية والثقافة والعلوم والمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي “ICAIRE”، وفي هذه الشراكة ما يكشف عن إدراك واعٍ لضرورة تعددية الأصوات وتنوع الروافد حين يتعلق الأمر بقضايا الحوكمة الكونية. وعلى مدى أربعة أيام ستتقاطع الرؤى حول محاور جوهرية لا تقبل التأجيل من حوكمة الذكاء الاصطناعي وبناء القدرات المؤسسية إلى الابتكار المسؤول والسياسات الدولية الناظمة لتوظيف هذه التقنيات في خدمة التنمية المستدامة.
يجمع المراقبون لمسيرة الذكاء الاصطناعي على أن التقدم التقني يسبق التأطير الأخلاقي بفارق مقلق، فحين تتخذ الخوارزميات قراراتٍ تمس حياة الناس في ميادين الصحة والقضاء والتعليم والتوظيف والحرب والسلم يصبح السؤال الأخلاقي ليس ترفاً فكرياً بل حاجةً وجودية ماسّة. ومن هنا تنبثق القيمة الحقيقية لمنتدى كهذا، لأنه يُعلي صوت الحكمة في مواجهة الاندفاع ويضع الإنسان بكامل كرامته وحقوقه وتنوعه في مركز أي تقييم لتقنية ناشئة. ولعل أبرز ما ينتظر العالم من هذه النسخة أن تُرسّخ مبدأ الشمولية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، إذ لا يجوز أن تستأثر به النخبة التقنية دون سائر المجتمعات، ولا أن تُشكّل خياراته الأساسية ثلةٌ محدودة بعيداً عن أصوات العالم ومتطلبات الشعوب التي تطالب بحقها في ثمار هذا التحول والتحصن من مخاطره في آنٍ واحد. ولا يمكن لمتابع منصف أن يقرأ هذا المشهد دون أن يُشير إلى الجهود المؤسسية التي أوصلت المملكة إلى هذه الريادة، فـ”سدايا” حوّلت نفسها في زمن قياسي من جهة تنظيمية إلى شريك إستراتيجي في صياغة معالم الحوكمة الرقمية عالمياً تقف بثقة واقتدار إلى جانب أعرق المنظمات الدولية، وفي حرص قيادة هذه الهيئة على ربط الطموح الرقمي السعودي بالمسؤولية الأخلاقية الكونية نموذجٌ يكشف كيف يمكن لمؤسسة وطنية أن ترتقي إلى مستوى الرهانات الإنسانية الكبرى. ولا يصح الحديث عن هذا الحضور المتميز دون استحضار الرؤية التي تنبثق من الأعلى، فقد أكد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي حفظه الله، أن العالم يعيش زمن الابتكارات العلمية والتقنيات غير المسبوقة وآفاق النمو غير المحدودة، مؤكداً أن تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء متى استُخدمت على النحو الأمثل قادرةٌ على أن تُجنّب العالم الكثير من المضار وتُدرّ عليه الكثير من الفوائد الضخمة. وفي هذه الجملة الموجزة عمقٌ إستراتيجي بالغ، فهي لا تنحاز للتقنية تعظيماً أعمى ولا تتهيبها رفضاً مطلقاً، بل تضع شرطاً جوهرياً هو الاستخدام على النحو الأمثل، وهذا الشرط تحديداً هو ما يسعى المنتدى إلى ترجمته من خطاب نبيل إلى منظومة عملية من المعايير والآليات والالتزامات الدولية المشتركة.
من الرياض حين تفتح أبوابها في سبتمبر المقبل أمام صفوة عقول العالم وضمائره لا تستضيف مجرد حدث بروتوكولي لامع، بل تدعو الإنسانية إلى تأمل مرآتها في أشد لحظاتها تعقيداً وأمسّها حاجةً إلى الحكمة. وفي ذلك رهانٌ حضاري صريح يؤمن به ولي العهد حين يربط التقنية بالأمل، وتترجمه “سدايا” حين تجعل من الحوكمة الأخلاقية بوصلتها لا زينتها، وتسعى إليه المملكة حين تُقرّ بأن قيادة العالم في الغد تبدأ اليوم بمن يجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة. وقد آن أوان تلك الأسئلة.