د. أماني بنت خلف الغامدي
حين تخوض السعودية سياقًا جديدًا فعلينا أن نعلم أنها لحظة تاريخية مهمة حيث الإجابة عن السؤال كيف تحوّل في العقود الماضية، ارتبط مفهوم «الأولمبياد» بالملعب، والركض، وحصد الميداليات تحت أضواء الملاعب الرياضية. إلا أن الإعلان عن مشروع الأولمبياد السعودي للعلوم يعيد صياغة مفهوم المنافسة العالمية برمتها؛ فنحن هنا لا نتحدث عن استضافة حدث علمي عابر، بل عن تغيير قواعد مفهوم تعامل الدول مع أثمن مواردها وهو العقل البشري.
إن الفكرة المحورية التي يحملها هذا المشروع الطموح تتجاوز مجرد تنظيم مسابقة تُوزّع فيها الميداليات للمشاركين؛ بل هي إعلان واضح لمرحلة جديدة تخوض فيها المملكة منافسة استقطاب العقول العالمية بجرأة، واضعةً الرياض في مركز مجرة الابتكار القادمة. من مجرد مسابقة إلى تحول منظومي كامل فالرياض عاصمة للعقول ومشروع ولي العهد لاستقطاب الموهوبين يضع المملكة على خارطة الابتكار العالمي. ولا شك أنها خطوة إستراتيجية تعزز تحول المملكة العربية السعودية نحو اقتصاد المعرفة، فعندما يطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مشروعاً وطنياً وطموحاً يستهدف استقطاب وتدريب ألمع الموهوبين والعقول الشابة من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في «الأولمبياد السعودي للعلوم» فإن هذا المشروع يعكس رؤية القيادة الرشيدة في جعل العاصمة الرياض منصة حاضنة للابتكار ومركزاً ثقلياً للعقول المبدعة، ترسيخاً لمفاهيم الاستثمار المستدام في العنصر البشري.
هذه الرؤية تتجاوز الموارد التقليدية فهي تركز على الاستثمار في الإنسان وتتجلى الفلسفة الأساسية لهذا المشروع في كلمة سمو ولي العهد خلال تدشين المشروع حيث أكد أن الثروة الحقيقية للأمم تكمن في قدرات أبنائها والعقول المبدعة التي تختار المملكة نقطة انطلاق لابتكاراتها للعالم. ويأتي المشروع بإشراف مباشر من مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع (موهبة) بالتعاون مع وزارة التعليم، مستهدفاً في نسخته الأولى المقررة في الرياض عام 2027م استقطاب نحو 5,000 طالب وطالبة من أكثر من 120 دولة. ويأتي من ضمن الأرقام والمبادرات النوعية حيث يعتمد المشروع على منظومة متكاملة من الدعم المالي واللوجستي والأكاديمي لضمان استدامته، وتتخصّص له مقومات استثنائية منها صندوق وقفي مستدام وتخصيص ميزانية تأسيسية بقيمة 10 مليارات ريال كصندوق وقفي تغطي عوائده التشغيلية كافة التكاليف والمنح بشكل مستمر. كذلك تقديم 2,000 منحة جامعية كاملة سنوياً للمتأهلين نهائياً، إلى جانب جوائز نقدية وإجمالي تمويل للمشاريع الفائزة يصل إلى 50 مليون ريال. ويعتزم إنشاء مجمع علمي وبحثي متكامل في الرياض على مساحة 2.1 مليون متر مربع بتكلفة 18 مليار ريال، يضم أحدث المختبرات وقرية أولمبية ومراكز أبحاث متطورة كمدينة للموهوبين. كذلك شراكات أكاديمية عالمية وإبرام اتفاقيات مع 15 جامعة دولية مرموقة مثل (MIT، ستانفورد، كامبريدج) و»كاوست»، بالإضافة إلى 80 اتفاقية مع دول مختلفة.
ولا شك أن هذا المشروع ينقل الاهتمام الوطني من التنقيب في الأرض إلى التنقيب في العقول حيث تأتي فلسفة هذا المشروع لتجسد تحولًا مفصليًا في الفكر التنموي؛ فالثروات الحقيقية للأمم لم تعد تُقاس بما تكتنزه أراضيها من موارد طبيعية، بل بما تستقطبه وتصنعه من أفكار. وحين يتم تخصيص صندوق وقفي مستدام بـ 10 مليارات ريال، وتأسيس مدينة للموهوبين، وتوفير منح دراسية وتسهيلات كـ تأشيرة الموهبة، فإننا نرى بيئة متكاملة تهدف لإلغاء المفهوم التقليدي لـ هجرة العقول، وتحويله إلى جذب للعقول.
وأما منظومة الاستقطاب فتتمحور حول أربعة محاور ومسارات متوازية تضمن البحث عن الكفاءات العالمية وحيث تتكامل آلية العمل في هذا المشروع أولها كأس السعودية للموهبة والتي تتكون من مسابقة تصفيات عالمية افتراضية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لقياس مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة في مجالات حيوية مثل الطاقة والمياه والصحة. وأكاديمية الأمير محمد بن سلمان للموهوبين ومن خلالها معسكرات تدريبية مكثفة تعقد في الرياض ونيوم بمشاركة كبار العلماء والباحثين الدوليين. والثالث هو الأولمبياد السعودي للعلوم حيث الحدث الرئيس الذي ينظم كل عامين ليشمل 5 مسارات علمية أساسية (الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الأحياء، وعلوم الحاسب) ضمن أجواء احتفالية محفزة. وأما الرابع فهو من خلال الحصول على تأشيرة الموهبة وهي عبارة عن حزمة من التسهيلات والاستثناءات تمكّن الفائزين من الحصول على إقامة طويلة الأجل، وحوافز لتمويل وتأسيس الشركات الناشئة، وتوفير المساحات المكتبية في وادي العلوم، مع ربطهم المباشر ببيئة الأعمال الوطنية وشركات مثل أرامكو وسابك وصندوق الاستثمارات العامة. وبهذا الأولمبياد فإن المملكة العربية السعودية تسهم في صناعة المستقبل وترسيخ اقتصاد الابتكار ولا تقف مستهدفات هذا المشروع عند حدود المنافسات العلمية، بل تمتد لتسهم بشكل مباشر في دعم القطاعات الإستراتيجية للرؤية الوطنية، مثل الذكاء الاصطناعي، والتقنية الحيوية، وتقنيات الفضاء، والهيدروجين الأخضر. ويعكس هذا التوجه التكامل المؤسسي بين اكتشاف الموهبة، ورعايتها، وتمويلها، ثم توظيف مخرجاتها داخل المنظومة الوطنية؛ بما يضمن تحويل الأفكار والابتكارات إلى حلول اقتصادية وتنموية ملموسة تخدم المملكة والعالم.
الرسالة هنا جليّة فالسعودية لا تريد فقط أن تدعم العلم كشعار، بل تبني «بيئة جاذبة» تمكّن العالم من رؤيتها كمنصة نموذجية للانطلاق، حيث يجد النابغةُ المأوى البحثي، والمختبر الحديث، والدعم المالي، والغطاء التشريعي الذي يحول فكرته من ورقة بحثية إلى شركة ناشئة.
ومن أجمل ما يحمله هذا التوجه هو تحويل هذا الحدث العِلمي إلى حدثٍ وطني يُحتفل به عالميًا على غرار البطولات الرياضية الكبرى. والهدف الأسمى هو أنسنة العلوم وإعادة وهج الابتكار وبالتالي فإن إيجاد مسارات منافسة في الرياضيات والفيزياء الذكاء الاصطناعي، وتقييم الطلاب بأساليب التفكير النقدي وحل مشكلات الحياة الواقعية بدلاً من الحفظ، هو استثمار في الوعي الجمعي للجيل الجديد؛ فهو يغرس في أذهان الشباب أن العلماء والمخترعين هم «نجوم المستقبل» الحقيقيون.
كما أن ربط مخرجات الأولمبياد بالقطاعات الحيوية لرؤية 2030 (كالهيدروجين الأخضر والتقنية الحيوية والفضاء) يعكس ذكاءً تنظيميًا يغلق الحلقة بين الاكتشاف، والرعاية، والتوظيف الإستراتيجي، لضمان ألا تذهب هذه الطاقات هباءً. وسوف تصبح الرياض إن شاء الله بهذا التوجه عاصمة الابتكار بالتأكيد. ولا شك أن تحديات استقطاب أفضل المواهب في العالم واحتضانها ليست باليسيرة، في ظل منافسة شرسة من معاقل الأبحاث التقليدية في الغرب والشرق. غير أن المرونة التشغيلية، والدعم القيادي المباشر، وتكامل الأدوار بين المؤسسات الوطنية، يمنح المشروع قدرة عالية على المنافسة والنجاح.
وفي الختام فإن الأولمبياد السعودي للعلوم 2027 لن يكون مجرد تقويم للمهارات، بل سيكون اختبارًا عمليًا لمدى قدرة المنطقة على صنع نموذجها الخاص في قيادة اقتصاد المعرفة. والرهان هنا ليس على جذب 5,000 طالب فقط، بل على الرسالة التي ترسلها المملكة للعالم: بأن المستقبل لا يُنتظر.. بل يُصنع بالعقول التي نختار احتضانها اليوم.