د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
لعلنا نتفق على أن إثارة حماس التلاميذ للتعلم والحصاد النضر الحقيقي من المعرفة هو التربية العظمى! كما أن توجيه الطلاب إلى الكفاح المعرفي لا بد من رسمه ووسمه في صدارة مشروعات التعليم وقنواته المختلفة! فالمدرسة ليست ترفاً اجتماعياً وعادات وتقاليد تسير عليه المجتمعات فقط دونما وجهة!
ففي البدايات المثمرة لا بد من تعميق مستوى الانضباط فالتعليم مشروع مشترك منذ الالتحاق بركبه وفي جميع مساراته حتى الوصول إلى أروقة الجامعات والسير فيها! والتدريب على المعرفة بأساليب حية مؤثرة مطلب مكين! والحفاظ على متانة الوقت وقيمته وحيازة عصارته فضيلة لا بد من نشرها في مجتمعات الطلاب! فالعلم قيمة في ذاته وحيازة شهادات اجتياز المراحل الدراسية تعدُّ انتصاراً وإنجازاً كبيراً إذا ما اتكأتْ على وفير من المعرفة وتحقيق الذات والابتكار والمساهمة في صنع المواد الدراسية واختيار صياغاتها المناسبة والمشاركة في الإسهام في صناعة فكر منظم والإدراك العميق. والبناء الفكري المتين. والتحصيل الشامل المجزي. إضافة للخبرات المتراكمة من شذرات المعرفة والتدريب العميق عليها. ونتفق جميعاً على أن الاهتمام بالتعليم وحيازة ضروب المعرفة هو أعلى مراتب الشعور بالمسؤولية الوطنية! ونؤكد أن مسؤوليات المشروع التعليمي كثيرة وواسعة ولذلك فإن بقاء العقل مأسوراً في نطاق المعرفة الواحدة دون أن تنبض بكثير من المهارات يعدّ تفريطاً في القدرات البشرية الوطنية ومقدراتهم الذهنية، وحيث إن التعليم يجب أن يقود الموارد البشرية إلى المجتمع الحيوي والحياة المتفوقة، ويدفع وجدان الناس إلى تأصيل المنجز الوطني في مخرجات مؤسساته، كما أن التعليم يسير وتسير خلفه المؤسسات الصناعية والاقتصادية والاجتماعية! فلا بد من التخطيط الممنهج لحيازة عبقرية الاستخدام عندما تتعدد مهام الشيء الواحد! والآمال العريضة ترقبُ أيضاً ألا تنتهي الإستراتيجيات التعليمية بوجَبَات لا تفي بحاجة الناس والمجتمع ولا تسد الاحتياج الوطني التشغيلي وموجز ذلك ألا تُحيّد السياسات التعليمية إستراتيجياً!!، فالخطط والبرامج ينبغي اتساقها مع الإستراتيجية الوطنية للتنمية البشرية!! وتحقيقاً لما يمكن اعتباره تحولاً كبيراً في خارطة الطريق نحو الوصول إلى سوق العمل الوطني بابداع واقتدار عقلي ومهني يحقق التنافس الأعلى وفق إستراتيجية تعليمية تُنقّبُ أولاً في السياسات التعليمية القائمة؛ ثم تنقذ مسيرة المعرفة من بعض اللوائح والأنظمة التي تتقاطع مع الأهداف المتوخاة من التحول التعليمي العصري والحضاري، ثم تنقي المناهج من السرد الجاف والنقل المبصوم والتتابع المقلد، ثم تصنع قوالب شتى للمعلومات تفي وتكفي لتشكيل مهارات متعددة، وعندما نعمل على تصفية الموارد المعرفية واستخلاص جملة من افوائد العلمية والعملية فإن مفهوم الاستحقاق الوظيفي سوف يتجلى في صفوف العاملين في كل المجالات التنموية فكما نشاهد في بعض مواقع الوظائف انحسار مبدأ الاستحقاق حين تلتصق الوظيفة أو يُلصق بها من هم دون متطلباتها لقصور المعرفة وضعف التأهيل المهاري أو الفجوة بين واقع الوظيفة ومتطلبها الأساس؛ وعند ذاك فإن الوظيفة سوف تحترق تحت الشمس ويصبح الفقد التنموي كبيرا جداً؛ ومن دوائر الإسناد الحقيقي للاتساق بين متطلبات الوظائف مستقبلاً وبين المعرفة التعليمية صياغة إستراتيجية متينة لتقويم مخرجات التعليم في سوق العمل من خلال معدلات الاستقطاب الوطني لمخرجات التعليم، ومستوى الكفاءة المعرفية والمهنية، وتكامل المهارات، والشغف الوظيفي في المجال ذاته، وخلال تلك المسيرة التقويمية يبرز المبدعون وتُسْتخلص العقول الوطنية العظيمة التي تعد كشافات ضوء؛ وعند ذاك يكون التعليم قد حقق التوازن المطلوب في ذهنية موظفي المستقبل (الطلاب) بحيث يكون التأهيل قافزاً لانكشافه أمام الرأي العام على تجويد قنوات المعرفة، وارتشاف العلوم والمعارف في المؤسسات التعليمية وهندستها تطبيقياً، والتدريب عليها مهارياً في أعلى المستويات لضمان ممارستها ثم صبها في قوالب الأعمال لتكون المقاييس ملائمة ومقنعة وقادرة على حمل الطلاب ليكونوا في مستقبلهم موظفين قادرين على المنافسة والإبداع! فقد نلتقي قريباً بمن يمارس وظائف جزئية في الشهر والأسبوع واليوم، وقد ينحسر النمط المعتاد في الدوام المتصل الكامل لوظيفة واحدة؛ فمن الأجدى عند إعداد إستراتيجية التحول التعليمي الجديد نحو مضمار وظائف المستقبل من أجل إعداد أبطالها أن يُستحدث قانون تعليمي جديد يحتضن متطلبات سوق العمل ويروي قنواته عند استحداثها من الخبرات والقدرات أولاً بأول دعماً وتصحيحاً يقوم على المعرفة العميقة والمهارات العالية، وتوسيع مجالات الاختيار فالمستقبل في أعماله الروتينية يحتاج موظفا متعدد المهارات قد تفوق في بعض مفاصلها المحددات التخصصية؛ فمؤسسات التعليم هي الوسيط الفاعل لإعداد القوى العاملة!
وتأسيساً على ذلك فالمؤسسات التعليمية لا بد أن ترتبط بشبكة غنية من التحالفات مع المجتمع ومؤسساته إضافة إلى تكوين علاقات رسمية مع كيانات وطنية أخرى للخدمات، وشراكات واسعة من الاتصالات متعددة الوسائط؛ ويصبح التعليم في مجمله نظاما تعليميا متعدد الأشكال ذي مجموعاتٍ غير محدودة يستثمر التباين في البيئات والمتطلبات المجتمعية والاختلاف في التركيبة السكانية بين المناطق والمحافظات في بلادنا لإحداث التنافسية في المخرجات التعليمية بما يحقق الاستقرار والإنتاجية العالية والبداية تنطلق من مشروع التلميذ الوطني السعودي الأقدر بإذن الله.