محمد بن عبدالله العتيق
هناك خدمات كثيرة نراها من حولنا ونعدها من المسلمات، لكننا لا نشعر بأهميتها إلا عندما نحتاج إليها ولا نجدها. ومن أكثر هذه الخدمات بساطة وأهمية دورات المياه العامة، التي أرى أن الحاجة إليها في مدن المملكة ومحافظاتها وعلى طرقها أصبحت أمرا يستحق مزيدا من الاهتمام والتنظيم.
المسافر بين المدن قد يقطع مئات الكيلومترات، والعائلة قد تقضي ساعات طويلة في السيارة، والزائر قد يكون في حديقة أو ممشى أو فعالية أو سوق، وقد يحتاج الإنسان في أي لحظة إلى دورة مياه نظيفة ومهيأة. وفي كثير من الأحيان تكون الخيارات محدودة، أو تكون المرافق الموجودة غير مهيأة بالشكل الذي يليق بالإنسان، أو لا تكون متاحة في الوقت الذي يحتاجها فيه.
ولا يتعلق الأمر بالمسافر وحده؛ فداخل المدن والمحافظات نفسها توجد أماكن عامة يرتادها الناس لساعات طويلة، بينما تظل دورات المياه العامة فيها محدودة، فيضطر البعض إلى البحث عن مسجد أو مطعم أو محطة وقود حتى يجد مكاناً مناسباً.
ومن هنا جاءتني فكرة أعتقد أنها تستحق الدراسة، وهي إنشاء شبكة من دورات المياه العامة الحديثة تتولى تشغيلها شركات متخصصة، على أن تكون موزعة وفق دراسة للاحتياج في المدن والمحافظات والطرق ومواقع التنزه والحدائق والأسواق والمناطق السياحية.
الفكرة ليست إنشاء دورة مياه بالمعنى التقليدي، وإنما إنشاء مرفق خدمي متكامل، نظيف وآمن ومكيف، ومهيأ للرجال والنساء وذوي الإعاقة، وتتوفر فيه المغاسل والمستلزمات الأساسية، وتكون هناك عمالة متخصصة للنظافة والصيانة تعمل على مدار اليوم، بحيث يدخل الإنسان إلى المكان وهو مطمئن إلى مستوى النظافة والخدمة.
ويمكن أن يكون هذا المشروع استثماريا، تديره شركات متخصصة وفق معايير واضحة ورقابة مستمرة، ويكون الدخول بمقابل رمزي، أو من خلال بطاقات أو اشتراكات، أو يكون مجانيا في بعض المواقع ويمول التشغيل من خلال الإعلانات والخدمات المصاحبة. المهم ألا يكون الهدف مجرد تحصيل رسوم، وإنما ضمان وجود خدمة نظيفة ومستدامة في المكان والوقت المناسبين.
ويمكن كذلك أن تكون هذه المرافق جزءا من مواقع أكبر على الطرق، تضم مواقف للسيارات، ومصلى، ومكانا مخصصا للأم والطفل، ومرافق لذوي الإعاقة، وربما متجرا صغيرا أو أجهزة لبيع المياه والمشروبات والاحتياجات الضرورية. وبذلك يتحول المشروع من مجرد دورة مياه إلى محطة خدمة إنسانية وحضارية متكاملة.
والمملكة لديها اليوم توجه واضح نحو تحسين المرافق العامة ورفع جودة الخدمات وتحسين المشهد الحضري وتعزيز جودة الحياة، كما أن هناك بالفعل أدلة واشتراطات تتعلق بتشغيل وصيانة دورات المياه العامة. ولذلك فإن الفكرة التي أطرحها ليست بعيدة عن هذا التوجه، وإنما هي دعوة إلى تطويرها وتوسيعها وتحويلها إلى خدمة أكثر انتشارا واستدامة. كما أن الاستثمار في هذا المجال يمكن أن يفتح بابا جديدا أمام القطاع الخاص، فبدلا من أن تكون دورات المياه العامة عبئا على الجهات الحكومية من حيث الإنشاء والتشغيل والصيانة، يمكن أن تدخل شركات متخصصة في هذا القطاع وفق عقود ومعايير محددة، وتتنافس على تقديم أفضل خدمة، مع وجود رقابة صارمة على مستوى النظافة والصيانة والتشغيل.
وأعتقد أن نجاح مثل هذا المشروع يعتمد قبل كل شيء على جودة التشغيل. فالمشكلة ليست في بناء دورة مياه، وإنما في المحافظة عليها نظيفة وجاهزة طوال الوقت. ولهذا يجب أن تكون هناك معايير واضحة للنظافة، وجدول تنظيف مستمر، وصيانة فورية، ومراقبة إلكترونية، وتقييم للمستخدمين، وغرامات على الشركات المقصرة، حتى يعرف المستثمر أن نجاحه مرتبط بمستوى الخدمة التي يقدمها.
وقد يكون من الجميل أيضا أن تحمل هذه المرافق هوية موحدة، بحيث يعرف المسافر أو الزائر من اللوحة الموجودة على الطريق أنه أمام مرفق عام معتمد، ويستطيع الوصول إليه بسهولة من خلال تطبيقات الخرائط، مع توضيح ساعات العمل والخدمات المتوفرة ومستوى التقييم.
إن وجود مثل هذه المرافق في المملكة لن يخدم المواطنين فقط، بل سيكون له أثر كبير في تجربة الزائر والسائح والمعتمر والحاج والمسافر، خصوصا مع اتساع الحركة السياحية والترفيهية، وتطور المدن، وكثرة الفعاليات والمواقع التي يرتادها الناس.
وفي الحقيقة، فإن جودة الحياة لا تقاس فقط بالمشاريع الكبرى والمباني الجميلة والحدائق والمرافق الترفيهية على أهميتها وضروريتها؛ فهناك تفاصيل صغيرة تمس حياة الإنسان بصورة مباشرة، وقد تكون أحيانا أكثر أهمية مما نتخيل. أن يجد الإنسان دورة مياه نظيفة عندما يحتاج إليها، وأن تكون قريبة منه، ومفتوحة في الوقت المناسب، وآمنة ومهيأة للجميع، هذه في حد ذاتها صورة من صور جودة الحياة.
ولذلك أتمنى أن نرى في المستقبل مشروعا وطنيا أو استثماريا متخصصا في هذا المجال، يبدأ من الطرق السريعة ومداخل المدن ومخارجها، ثم يمتد إلى الحدائق والمتنزهات والأسواق والمناطق السياحية والأماكن العامة، حتى تصبح هذه الخدمة جزءا طبيعيا من المشهد الحضري في المملكة.
قد تبدو الفكرة بسيطة، لكنها في الحقيقة تمس حاجة أساسية لكل إنسان.
وأحيانا لا تحتاج جودة الحياة إلى مشروع ضخم بقدر ما تحتاج إلى أن نلتفت إلى احتياج بسيط يتكرر كل يوم، وأن نحوله من مشكلة يعاني منها الناس إلى خدمة حضارية منظمة، تليق بالمملكة وبمدنها وبأهلها وزوارها.