فاطمة الجباري
في بداية عامٍ دراسي جديد، كان المشهد هذه المرة مختلفًا تمامًا..
لا دوام ينتظرني، ولا جرس يعلن بداية يومٍ جديد، ولا حضورٌ أسجله، ولا مسؤوليات تتزاحم على عتبة الصباح، ولا طريق طويل أقطعه وأنا أعدّ الساعات حتى أعود إلى بيتي.
لأول مرة، أستقبل بداية العام الدراسي من خارج أسوار العمل.
وقفت أمام هذا الصباح بشعورٍ لا يشبه ما قبله؛ شعور امرأةٍ أنهت فصلًا طويلًا من حياتها، ثم وقفت قليلًا بين صفحاته القديمة وصفحةٍ جديدة لم تُكتب بعد.
لقد جاء اليوم الذي انتظرته طويلًا.. جاء بعد سنواتٍ من العمل والعطاء، وبعد أعوامٍ حملت فيها مسؤولياتٍ كثيرة، ومواقفَ صعبة، وأيامًا كان فيها التعب جزءًا من تفاصيل الحياة. جاء بعد خوفٍ من المجهول، ورجاءٍ في أن يكون القادم أجمل، وبين أملٍ كان يضيء الطريق أحيانًا، ويأسٍ كان يثقل الروح أحيانًا أخرى.
وحين انتهى كل شيء، اكتشفت أنني لم أكن أخاف من التقاعد بقدر خوفي من الفراغ الذي سيأتي بعده.
كنت أظن أنني حين أغادر عالم الوظيفة سأفقد شيئًا من ذاتي، فإذا بي أجد ذاتي من جديد.
رحل الأمس بكل ما فيه من منغصات وهموم، وأغلقت خلفي أبواب عالمٍ اعتدت عليه طويلًا؛ عالم الانضباط في الحضور، والالتزام بالمواعيد، والمسافات، والزحام، والمواقف التي كانت تستنزف شيئًا من القلب قبل الجسد.
ثم أقبل اليوم..
هادئًا، واسعًا، لا يطالبني بشيء.
وفي هذا الهدوء بدأت روحٌ جديدة تولد في داخلي.
روحٌ لم أكن أعرفها من قبل؛ روحٌ تتأنى، وتتنفس بعمق، وتمنح الأشياء وقتها، وتتعلم أن الحياة ليست كلها واجبات، وأن الإنسان لا ينبغي أن يقضي عمره كاملًا في أداء ما يجب عليه، وينسى أن يعيش ما يحب.
وجدتني ألملم شتات الأمس، وأعيد جمع أجزائي التي بعثرتها السنوات بين مسؤوليةٍ وأخرى، وأستعيد أشياء صغيرة كنت أؤجلها دائمًا بحجة «بعد أن أتقاعد».
واليوم، لم يعد هناك «بعد»..
هناك الآن.
الآن الذي أستطيع فيه أن أقرأ حين أشاء، وأكتب حين يفيض القلم، وألتقي بمن أحب، وأمنح نفسي فرصة التأمل، وأكتشف مواهب ربما أخفتها سنوات العمل خلف ركام الالتزامات.
لقد أدركت أن التقاعد ليس نهاية العمر المهني فحسب، بل قد يكون بداية العمر الذي نعيشه بإرادتنا.
صحيح أن راتب التقاعد لا يمنحني، في ظني، ما يوازي سنوات عمري التي مضت في العمل والعطاء. وربما لا يجعلني أشعر دائمًا بالأمان الكامل من عوز الحاجة أو شح السؤال، لكنني تعلمت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يدخل حسابه في نهاية الشهر، ولا بما يحمله المسمى الوظيفي من مكانة.
هناك أشياء لا تُشترى بالمال..
أن تستيقظ دون أن يلاحقك موعد.
أن تشرب قهوتك دون أن تنظر إلى الساعة.
أن تمنح جسدك حقه من الراحة، وعقلك حقه من التأمل، وقلبك حقه من الفرح.
أن تكتب لأنك تحب الكتابة، لا لأن عليك أن تكتب.
أن تلتقي بمن تحب لأنك اشتقت إليه، لا لأن جدول العمل سمح بذلك.
أن يكون يومك ملكًا لك..
تلك نعمة لا يعرف الإنسان قيمتها إلا بعد سنواتٍ طويلة من الركض.
لقد كنت أعيش سنواتي السابقة وأنا أقول لنفسي: «سيأتي يوم أرتاح فيه».
وجاء اليوم.
لكنني اكتشفت أن الراحة ليست أن نجلس بلا عمل، بل أن نعيش بلا ذلك الشعور الدائم بأننا متأخرون عن شيء.
التقاعد أعاد إليّ شيئًا كنت قد فقدته دون أن أشعر: الوقت.
والوقت حين يعود إلى الإنسان بعد سنواتٍ من الانشغال، يصبح أغلى من المال.
إنه يمنحك فرصة أن تراجع نفسك، أن تسامحها على ما مضى، أن تفرح بما أنجزت، وأن تتصالح مع ما لم تستطع إنجازه.
وأنا اليوم لا أريد أن أعيش التقاعد باعتباره بابًا أُغلق، بل نافذةً فُتحت.
لا أريد أن أعدّ الأيام التي مضت، بل أن أملأ الأيام التي بقيت بالمعنى.
لا أريد أن أقول: انتهت سنوات العطاء.
بل أقول: انتهى فصلٌ من العطاء، وبدأ فصلٌ آخر أكثر حرية.
فما زال في القلب كلام لم يُكتب، وفي الروح أحلام لم تُكتشف، وفي العقل أفكار تستحق أن ترى النور.
ربما كانت الوظيفة تأخذ من وقتي الكثير، لكنها منحتني أيضًا خبراتٍ وذكرياتٍ وأشخاصًا تركوا في حياتي أثرًا لا يزول.
ولهذا لا أودعها بحزن..
بل أودعها بالامتنان.
أشكر كل صباحٍ وقفت فيه على عتبة العمل، وكل طريقٍ قطعته، وكل مسؤوليةٍ حملتها، وكل موقفٍ صعب جعلني أكثر قوة، وكل إنسانٍ علمني درسًا، وكل لحظةٍ ظننت أنني لن أتجاوزها ثم تجاوزتها.
وأشكر الله قبل كل شيء، لأنه أبلغني هذا اليوم بعد رحلةٍ طويلة.
اليوم أقف بين أمسٍ رحل وغدٍ لم يصل بعد، وأشعر أنني أحسن حالًا.. أكثر هدوءًا، وأكثر اتزانًا، وأقرب إلى نفسي.
لا أعرف تمامًا ماذا يخبئ لي القادم، لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أنني لن أسمح لما تبقى من العمر أن يكون مجرد انتظار.
سأعيشه.
سأكتب.
سأتعلم.
سأكتشف.
سأمنح.
وسأترك في كل يوم أثرًا صغيرًا يقول إنني كنت هنا.. وإن الحياة بعد التقاعد ليست فراغًا، بل مساحة واسعة لنصنع فيها النسخة التي تأخرنا طويلًا عن أن نكونها.
وفي بداية هذا العام الدراسي، بينما يذهب الآخرون إلى أعمالهم، سأبقى أنا مع صباحي الهادئ، أحتسي قهوتي وأبتسم.
فقد انتهى زمنٌ كنت أعيش فيه وفق عقارب الساعة..
وبدأ زمنٌ أصبحت فيه الساعة تعيش وفق ما أريد.
وربما كان أجمل ما منحه لي التقاعد، أنه لم يمنحني حياةً جديدة فحسب.. بل أعاد إليّ نفسي.