د. رنا بنت عبدالله الغامدي
على الساحل البرتغالي المطل على المحيط الأطلسي، قامت مدينة قديمة تُدعى «فارومار»، أي «منارة البحر». كان مرفأها العريق يمتد على طول الساحل، وخلفه تنتشر بيوت مزينة بالخزف الأخضر والأبيض. وعند مدخل المرفأ، وقفت منارة تهدي السفن العائدة.
في فارومار عاشت رُبانة تُدعى إسبرانسا، وكانت تقود سفينة اسمها «هوريزونتي». أمضت إسبرانسا سنوات طويلة في البحر، حتى صار أهل المرفأ يعرفون سفينتها بمجرد أن تلوح أشرعتها في الأفق.
لم تعرف هوريزونتي الرحلات السهلة. عبرت ممرات ضيقة، وواجهت رياحًا مباغتة، ونجت من عواصف مزقت أشرعتها. حملت المسافرين والأمانات والبضائع إلى مرافئ بعيدة، وأنقذت قوارب حاصرها الضباب.
وكان البحر قد ترك تاريخه على جسدها: خدوشًا في ألواحها، وشقوقًا جرى ترميمها، وخطوطًا داكنة من الملح.
كان أكبر طموح لربابنة فارومار هو الترقية والحصول على «رتبة ربان أعالي البحار وراية الأسطول الأول». ولم يكن الوصول إلى ذلك سهلًا؛ إذ يُرسل سجل إنجازات السفينة إلى ثلاثة ربابنة مخضرمين في مرافئ متباعدة ليفحصه كل منهم منفردًا. فإن اختلفت آراؤهم، أُحيل السجل إلى ربان رابع.
حين اكتمل سجل هوريزونتي، حملته إسبرانسا إلى مجلس الرايات. فأحال المجلس سجلها إلى الربابنة الثلاثة لمراجعة دقيقة. بعد أشهر طويلة من الانتظار، عاد القرار مختومًا: «استحقت رتبةَ «ربان أعالي البحار» و«راية الأسطول الأول». واجتمعت لجنة كبار الربابنة في فارومار واعتمدت القرار.
فرحت إسبرانسا، وظنت أن ما بقي ليس سوى إجراءات أخيرة. حملت قرار المجلس، وقادت هوريزونتي إلى المرفأ الداخلي لتتسلم شارة رتبتها الجديدة، وترفع راية الأسطول الأول، وتُرسي سفينتها في مرساه. لكنها عندما وصلت، وجدت البوابة مغلقة.
سلمت حارس الأرصفة قرار المجلس. قرأه، وتفحّص الأختام، ثم أخرج قصاصة ورق وكتب عليها الرقم 93، وسلمها إليها وقال:
- الاستحقاق صحيح، والقرار مكتمل، لكن عدد الأرصفة حُدد منذ زمن، وهي جميعًا مشغولة. ولا يخلو أحدها إلا إذا تقاعد ربان، أو استقال، أو انتقل إلى مرفأ آخر، أو خرج في رحلة لم يعد منها.
التفتت إسبرانسا إلى عرض البحر. كانت أمام هوريزونتي اثنتان وتسعون سفينة تحمل الراية نفسها، وقد أنهكتها الرحلات وطول الانتظار، وبهتت رايات بعضها تحت الشمس.
كانت فارومار قد كبرت، وكثرت سفنها ورحلاتها واشتهرت بربابنتها المهرة، لكن عدد أرصفة ميناء الأسطول الأول بقي كما هو. وكانت فارومار تطالب ربابنة السفن بمزيد من الرحلات والأوسمة والإنجازات، لكنها تترك من ثبت استحقاقهم وتمت ترقيتهم ينتظرون مكانًا لا يخلو إلا بخروج من سبقهم إليه.
سيداتي وسادتي القراء، هذه الحكاية من نسج الخيال؛ فلا وجود لفارومار وهوريزونتي وإسبرانسا إلا بين سطورها.
أما قرار الاستحقاق، فكان أمامي وأنا أكتبها.
وكان اسمي يتوسطه.
وفي قائمة الانتظار كان ترتيبي: 93.