ناهد الأغا
تُعد السياحة اليوم ظاهرة ثقافية متكاملة تعكس تحولات المجتمعات، وتكشف عن عمق هويتها المكانية،وتأتي منطقة جازان، بوصفها إحدى الوجهات السياحية الأسرع نمواً في المملكة العربية السعودية، نموذجاً حياً لهذا التحول، حيث تتداخل المقومات الطبيعية مع الموروث الثقافي في مشهد يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، كما وتتميز جازان بتنوعها الجغرافي الفريد الذي يضم السهول الساحلية، والمرتفعات الجبلية، والوديان الخصبة، مما يمنحها ميزة نسبية في السياحة الطبيعية،ويشكل البعد الثقافي العمود الفقري لهويتها السياحية، إذ يتجلى تراث المنطقة التاريخي في القرى الحجرية، والقلاع الأثرية، والطرق التجارية القديمة، مما يضفي على التجربة السياحية أبعاداً معرفية وإنسانية تجعل الزائر مشاركا في حكاية مكانية ممتدة عبر الزمن. هذه الأرض، التي تحمل بين طياتها عبق التاريخ ونداوة الطبيعة، صارت اليوم موسماً دائماً من الدهشة، يتجدد في كل فصل، ويتنفس في كل زائر يخطو على رمالها الذهبية أو يتسلق قممها الخضراء، إن هذا التحول يأتي متسقا ًمع روح رؤية المملكة 2030، التي جعلت من السياحة ركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد الوطني، وأولت الهوية الثقافية والتراثية عناية خاصة، لتتحول المناطق الواعدة كجازان إلى أيقونات سياحية عالمية،حيث تلتقي الاستثمارات النوعية مع الطموح الوطني، فتتعزز البنى التحتية، وتُطوَّر الوجهات، وتُخلق الفرص، مبشرة بمستقبلٌ مزدهر، منفتح على العالم، ومتجذرفي أصالته. ولاننسى في عام مضى، جعلت جازان من زوارها سفراء للجمال،فقد استقبلت ملايين المسافرين، بين من يبحث عن دفء المبيت المحلي في قرى تتنفس أصالة، ومن يصل من أفق بعيد ليغوص في كنوزها الثرية وبين هؤلاء وهؤلاء، قفزت أعداد السياح بنسبة 47 % عن العام السابق، وكأن جازان صارت تستقبل أحلاماً تتحقق وتُنعش الروح.. ففي كل موسم تفتح جازان ذراعيها لاستقبال مهرجان جازان الشتوي ,إذ تتزين السواحل بالأضواء، وتنطلق الفعاليات البحرية التي تجمع بين الرياضة والمتعة، بينما تحتضن المدرجات الجبلية حفلات فنية وأمسيات شعرية ترددها أصداء الجبال، وفي مهرجان جازان الصيفي تتحول الأسواق الشعبية إلى مسارح حية للعروض الفولكلورية، ويتنافس الصيادون في مسابقات صيد الأسماك، وتُروى حكايات الغوص التقليدي أمام زوار يدهشهم إتقان الآباء لهذا الفن العريق، كما تقام الفعاليات التراثية في القرىلتاريخية، وتتحول البيوت الحجرية إلى متاحف مفتوحة، وتُحيى الحرف اليدوية كصناعة السلال والخزف..
جازان اليوم نموذج ملهم لسياحة تتغذى من رحيق الثقافة، وتنمو بساعد الهوية، وتستند إلى إنسانٍ يعشق أرضه ويعرف قيمتها، فيحوّلها إلى تحفة حية والأرقام تشهد بذلك، لكن ما لا تُحصيه الإحصائيات والأرقام هو ذلك الأثر الجميل العميق الذي يتركه جازان في قلب من يزورها، تلك البصمة الوجدانية التي لا تُمحى، وذلك الحنين الذي يسكن الروح ويدفعها للعودة.
جازان تتنفس الفل في شرفات القرى ويبوح الكادي بأسرار المزارع، وتنهض لؤلؤة الجنوب تتوشح إرث الأجداد.. والقصائد نعم، تتغنى المفردات بجازان لأنها تستحق أن تُغنى.