ثامر الشهراني
تحولت الممرات البحرية إلى شرايين نابضة للاقتصاد العالمي، وإحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين. وفي هذا السياق، جاءت المبادرة السعودية لإطلاق التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لتعلن تحولًا استراتيجيًا ينقل المنطقة من إدارة التهديدات إلى بناء منظومة ردع جماعية ومستدامة.
فالاجتماع العسكري الذي استضافته الرياض بمشاركة ممثلي 43 دولة ومندوبية الاتحاد الأوروبي لم يكن مجرد لقاء تشاوري، بل وضع الأسس السياسية والعسكرية لتحالف مؤسسي يقوم على ميثاق مرجعي، وهيكل تنظيمي، ومنظومة قيادة وسيطرة، وآليات تشغيل مشتركة، بما يؤسس لشراكة أمنية طويلة الأمد لحماية أحد أهم الممرات البحرية فــي العالم.
وتأتي هذه المبادرة في وقت أصبحت فيه الهجمات على السفن التجارية وناقلات الطاقة والبنية التحتية البحرية تشكل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي، بعدما تجاوزت آثارها حدود الإقليم لتنعكس على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تحظى المبادرة بهذا الحضور الدولي الواسع، في رسالة واضحة بأن أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن لم يعد شأنًا إقليميًا، بل مصلحة دولية مشتركة.
ما يمنح المبادرة السعودية ثقلها الاستراتيجي أنها لا تنطلق من رد فعل مؤقت تجاه أزمة عابرة، بل تؤسس لإطار مؤسسي دائم، قادر على التنسيق والتخطيط والردع، وهو تحول نوعي مقارنة بالتحالفات الظرفية التي كانت تنشأ لمواجهة تهديدات محددة ثم تتراجع بانتهاء الأزمة.
كون المملكة العربية السعودية الدولة المؤسسة والقائدة للتحالف، مع استضافة مقره الرئيسي في الرياض، يعكس حجم الثقة الدولية في قدرتها على قيادة المبادرات الأمنية الكبرى. كما يؤكد أن الرياض أصبحت مركزًا لصياغة الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية، مستندة إلى ثقلها السياسي، وموقعها الجغرافي، وإمكاناتها العسكرية، وشبكة علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.
يكتسب البيان المشترك الذي أعلنته أربع عشرة دولة أهمية خاصة، لأنه يجمع بين دول مجلس التعاون الخليجي، والدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب قوى إقليمية مؤثرة في آسيا وإفريقيا.
وهذا التنوع يمنح التحالف شرعية سياسية وجغرافية واسعة، ويعزز فرص نجاحه بوصفه منصة للتعاون الأمني، لا مجرد تحالف عسكري تقليدي.
كما أن حصر نطاق عمل التحالف في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن يعكس قراءة دقيقة لطبيعة التهديدات، إذ تمثل هذه المنطقة إحدى أكثر الجغرافيا البحرية حساسية بالنسبة للتجارة العالمية.
وتأمينها يعني حماية خطوط الطاقة، وضمان انسياب التجارة، وتقليل المخاطر التي تهدد الاقتصاد الدولي.
ومن منظور جيوسياسي، تمثل هذه المبادرة تحولًا في بنية الأمن الإقليمي؛ إذ تنقل زمام المبادرة من التحالفات الدولية المؤقتة إلى منظومة تقودها دولة من المنطقة، بالتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين. وهي مقاربة تستحضر، من حيث بناء الإطار المؤسسي وتوحيد القيادة والتخطيط، فلسفة التحالفات الدفاعية الكبرى، ولكن بصيغة بحرية تنطلق من أولويات المنطقة ومصالحها، وتركز على حماية حرية الملاحة والتجارة الدولية.
اللافت أيضًا أن المبادرة أبقت باب الانضمام مفتوحًا أمام الدول التي لا تزال تستكمل إجراءاتها الوطنية، وهو ما يعكس نهجًا سعوديًا يقوم على التوافق والانفتاح، بعيدًا عن الاستقطاب أو بناء المحاور المغلقة.
وهذا النهج يمنح التحالف مرونة أكبر، ويزيد من فرص توسعه مستقبلًا ليصبح إحدى أهم منصات التعاون الأمني البحري في العالم.
على المستوى الاستراتيجي، تعكس هذه الخطوة تحولًا في الدور السعودي؛ فمن دولة تسهم في حماية الممرات البحرية إلى دولة تقود بناء المنظومة الأمنية التي تحميها.
وهذا التحول ينسجم مع السياسة السعودية الحديثة القائمة على المبادرة، وصناعة التوازنات، وتقديم الحلول، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات.
وعليه، فإن التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لا يمثل إنجازًا عسكريًا فحسب، بل محطة مفصلية في إعادة تشكيل الأمن البحري الإقليمي. وإذا اكتملت إجراءات الميثاق، واتسعت دائرة الدول المنضمة إليه، فإن المملكة العربية السعودية ستكون قد أرست نموذجًا جديدًا للأمن الجماعي، يقوم على الشراكة، والردع المؤسسي، وحماية المصالح الدولية المشتركة، بما يعزز استقرار التجارة العالمية، ويكرس مكانة الرياض بوصفها أحد أبرز صناع التوازنات الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.