د. إبراهيم بن جلال فضلون
السياسة النقدية ليست علماً دقيقاً، بل هي فن الإبحار في ظلام التوقعات بأدوات لا تقيس سوى ما حدث بالأمس، فالمنظومة الاقتصادية العالمية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات جذرية أعادت رسم الخريطة النقدية الدولية، محولةً مفهوم إدارة السيولة من علم إحصائي روتيني إلى صراع بقاء معقد تتقاطع فيه أسواق الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وسلاسل الإمداد المهددة بالانهيار، والسؤال الأكبر: بين مطرقة التضخم وسندان الديون: هل تنجح البنوك المركزية في الهروب من فخ الفائدة المرتفعة؟. فلم تعد البنوك المركزية الكبرى، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا، تملك ترف التعامل مع التضخم باعتباره ظاهرة محلية مؤقتة يمكن احتواؤها بجرعات معتادة من رفع أو خفض أسعار الفائدة، وأصبحت أسعار الفائدة اليوم رهينة لصدمات الطاقة والاضطرابات الإقليمية التي تفرض إيقاعها القاسي على الأسواق العالمية والمحلية على حد سواء.
الواقع والأزمات الهيكلية
يتطلب فهم المشهد الراهن لتطور آليات السياسة النقدية بتعمق ثلاث محطات زمنية فارقة أفرزت هذا الواقع الاقتصادي المعقد، وتحدي الاقتصاد السعودي له، لاسيما وانتقال الأسواق من رحاب الاستقرار إلى معترك الأزمات الهيكلية. ففي الماضي (عصر ما قبل الجائحة)، تميز المشهد بتيسير نقدي وفائدة منخفضة (أقل من 2 %) في ظل عولمة متكاملة واستقرار نسبي، مما أفرز تدفقات استثمارية واسعة وتضخماً منخفضاً وسلاسل إمداد آمنة. غير أن هذا المشهد انقلب في الحاضر (المرحلة الراهنة بين 2024 و2026)، حيث فرضت الصدمات الهيكلية والتوترات الجيوسياسية توجهاً صارماً نحو التشديد النقدي وتثبيت الفائدة عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 3.5 % و3.75 %، دافعةً نحو كبح التضخم بثمن باهظ تمثل في تباطؤ النمو، وضغوط الأسواق، وارتفاع تكلفة التمويل. وصولاً إلى المستقبل (الآفاق الاستراتيجية)، يتشكل اقتصاد متعدد الأقطاب تحكمه سياسة حياد نقدي مرن ومشروط بالمخاطر، تتجه فيه بوصلة الاستثمارات نحو الأصول الآمنة والتحوط الاستراتيجي ضد صدمات الطاقة.
واليوم يقف الاقتصاد السعودي ومصارفه الوطنية كأحد أهم مراكز الثقل والاستقرار المالي في الخريطة الدولية، مدعوماً برؤية استراتيجية واعية وصلابة مؤسسية مكنته من امتصاص صدمات الطاقة والتقلبات الجيوسياسية العنيفة التي تضرب الأسواق العالمية. فبفضل الاحتياطيات الضخمة والسياسات المالية الرشيدة التي تتبناها المملكة، أثبتت البنوك السعودية وصندوق الاستثمارات العامة قدرة فائقة على مواجهة موجات التضخم وارتفاع تكلفة التمويل المستوردة، محافظة على متانة ملاءتها المالية ومستويات سيولة عالية تضمن استمرار التدفقات الاستثمارية نحو المشاريع التنموية الكبرى دون إبطاء، بخلاف الاقتصادات الناشئة والدول الكبرى التي تعاني من ضغوط التباطؤ وهروب رؤوس الأموال.
الارتفاع مقابل التثبيت
تتحكم البنوك المركزية في العالم في دفة الاقتصاد الكلي عبر مسارين رئيسيين، لكل منهما تداعياته العميقة على بنية الأسواق والشركات، ففي حالة ارتفاع أسعار الفائدة (التشديد النقدي الحاد)، يؤدي رفع الفائدة إلى زيادة مباشرة في تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات، مما يفضي حتماً إلى تباطؤ وتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي، كذلك تتعرض أرباح الشركات لضغوط هائلة بسبب أعباء خدمة الديون، دافعة المستثمرين للتحول من الأسهم عالية المخاطر إلى أدوات الدخل الثابت والودائع الآمنة، بينما يُمثل هذا الإجراء الدواء المر لكبح التضخم عبر تقليص المعروض النقدي والطلب المفرط، إلى جانب جذب رؤوس الأموال الساخنة وتعزيز قوة العملة المحلية مؤقتاً.
أما في حالة استقرار الفائدة عند مستويات مرتفعة (بين 3.5 % إلى 3.75 %)، فهذا يمنح الثبات للأسواق وقطاع الأعمال فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تسعير العقود والخطط الاستثمارية طويلة الأجل بناءً على تكلفة تمويل واضحة. لكنه في الوقت ذاته يُبقي القروض الاستهلاكية والتمويلات العقارية عند مستويات باهظة، محافِظاً على هدوء حذر في الأسواق بانتظار إشارات حقيقية على هبوط التضخم تتيح الانتقال نحو دورة التيسير النقدي.
النفط والجيوسياسية المحرك الخفي لأسعار الفائدة
الارتباط وثيق ومباشر، فعندما ترتفع أسعار النفط، لا تتأقطب خزانات الوقود وحدها، بل يتأجج الاقتصاد بأسره في لظى التضخم المستورد، لأن النفط والغاز يشكلان عصب الإنتاج والتصنيع والنقل، خاصة مع توترات الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز أو نزاعات إقليمية.
هنا تجد البنوك المركزية نفسها أمام حتمية تاريخية ومؤسسية: إما الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول متغاضية عن الأضرار التي تلحق بالنمو، أو المخاطرة بترسخ تضخم هيكلي يصعب اقتلاعه لاحقاً من هيكل الاقتصاد الكلي.
السياسة الخارجية والاقتصاد هل للإدانات أثر على الفائدة؟
إن الخطاب الدبلوماسي والإدانات السياسية المجردة لا تملك أي قدرة على تحريك مؤشرات البنوك المركزية في العالم أو تعديل معادلات التضخم؛ غير أن التداعيات العملية للقرارات السياسية الخارجية تصنع زلازل هيكلية في الأسواق:
العقوبات وحظر التداول: تؤدي إلى قطع مفاجئ لسلاسل الإمداد ونقص حاد في السلع الاستراتيجية، مما يجبر صناع السياسة النقدية على رفع الفائدة لمواجهة قفزات تضخمية عاتية ناتجة عن شح المعروض.
حروب التجارة والرسوم الجمركية: تضاعف تكلفة الاستيراد المتبادل بين القوى الكبرى، مكرسةً طابع التضخم الهيكلي الذي يتطلب استمرار تشديد السياسة النقدية.
اضطراب الأمن الإقليمي: تثير حالة من الذعر الاستثماري تدفع رؤوس الأموال للهروب نحو الملاذات الآمنة، مفرضةً على اقتصادات الأسواق الناشئة رفع الفائدة بعنف لحماية عملاتها من الانهيار ومنع نزوح السيولة.
المملكة وصياغة القرار العالمي
لا يتوقف أثر قوة القطاع المالي السعودي عند حدود احتواء التحديات المحلية فحسب، بل يمتد ليمارس تأثيراً مباشراً ومؤثراً في صناعة القرار السوقي والاستثماري على الساحة العالمية. فالرهان على عودة سريعة لأسعار الفائدة المنخفضة هو رهان خاسر في عالم تكثر فيه الصدمات وتتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة الاقتصادية. وبالتالي يتعين على صناع القرار، ومديري المحافظ الاستثمارية، والمؤسسات الكبرى، بناء استراتيجياتهم على قاعدة اعتمدتها السعودية عبر اليقين المتجدد: الاستعداد لبيئة مالية تتسم بالانضباط والتحوط العميق، فمن خلال ضخ رؤوس الأموال الاستراتيجية عبر الصناديق السيادية، والتحكم في إمدادات الطاقة الحيوية التي توازن الأسواق الدولية، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة، حيث لم تعد إدارة الثروات والدول تقتصر على اقتناص الفرص، بل أصبحت مهارة فائقة في هندسة البقاء المالي في وجه العواصف المتتالية، وهو ما أثبتته الرياض بفرض سيطرتها كبوصلة رئيسية للمستثمرين الدوليين الباحثين عن الملاذات الآمنة والفرص الحقيقية في ظل عالم متعدد الأقطاب، مما يمنح القرار الاقتصادي السعودي وزناً ثقيلاً يعيد صياغة معادلات الطاقة والتجارة والاستثمار على النطاق العالمي.
وقفة:
«المستقبل لا يمنح أسراره إلا لمن يقرأ إشارات الحاضر بعين الاستشراف والواقعية المطلقة، فالتاريخ الاقتصادي لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه دائماً ما يكرر إيقاعه».