د. عيسى محمد العميري
أثبتت التطورات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، وما شهدته المنطقة من توترات عسكرية، وخصوصا الحرب الأمريكية الإيرانية أن الأمن المائي لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الأمن الوطني، خصوصًا بالنسبة لدول الخليج العربي التي تعتمد بصورة كبيرة على محطات تحلية مياه البحر لتوفير احتياجات السكان من المياه العذبة، وقد أبرزت الأزمات الأخيرة، بما فيها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما صاحبها من مخاوف على سلامة البنية التحتية الحيوية، أهمية تنويع مصادر المياه وعدم الاعتماد على مصدر واحد، مهما بلغت كفاءته، وذلك باعتباره جزءًا من تعزيز الجاهزية الوطنية وإدارة المخاطر، ومن هذا المنطلق، يبرز اقتراح إنشاء شبكة وطنية متكاملة لمحطات إعادة معالجة المياه المستخدمة في المنازل، والمؤسسات الحكومية، والمنشآت التجارية والصناعية، لتصبح مصدرًا إضافيًا ومستدامًا للمياه، يمكن الاستفادة منه في ري الحدائق والمتنزهات، وتشجير الطرق، والاستخدامات الصناعية، وأعمال التنظيف، بل وحتى في بعض الاستخدامات الأخرى بعد المعالجة المتقدمة وفقًا للمعايير الصحية والبيئية المعتمدة.
إن هذا المشروع لا يهدف إلى الاستغناء عن محطات التحلية، بل إلى تخفيف العبء عنها، وتقليل الاعتماد الكلي عليها، بحيث يصبح لدى الدولة أكثر من مصدر استراتيجي للمياه، فكلما تنوعت مصادر الإمداد، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة الطوارئ والكوارث الطبيعية أو البيئية أو أي ظروف استثنائية قد تؤثر في إنتاج المياه أو نقلها، كما أن إعادة استخدام المياه تمثل أحد أهم مبادئ الاقتصاد الدائري، إذ تتحول المياه المستعملة من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي ذي قيمة، الأمر الذي يسهم في المحافظة على الموارد الطبيعية، وخفض كميات المياه المهدرة، وتقليل الآثار البيئية الناجمة عن تصريف المياه غير المستغلة. وتشير العديد من المبادرات الدولية الحديثة إلى أن التوسع في إعادة استخدام المياه أصبح أحد أهم محاور تعزيز المرونة المائية في مواجهة التغيرات المناخية ونقص الموارد، ويمكن تنفيذ هذا المشروع على مراحل تبدأ بالمناطق السكنية الجديدة، ثم تشمل المجمعات الحكومية والجامعات والمستشفيات والمناطق الصناعية، مع إنشاء شبكات منفصلة لتوزيع المياه المعالجة إلى المواقع المخصصة للاستفادة منها، كما يمكن تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في هذا المجال، وتقديم الحوافز للشركات التي تعتمد أنظمة إعادة تدوير المياه داخل منشآتها، بما يعزز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في تحقيق الأمن المائي، ولا شك أن بناء مثل هذه المحطات سيعزز من جاهزية الدولة في مواجهة أي طارئ قد يؤثر في محطات التحلية الساحلية، سواء كان نتيجة حوادث بيئية، أو كوارث طبيعية، أو ظروف استثنائية قد تمس البنية التحتية، كما سيسهم في رفع كفاءة إدارة الموارد المائية، وتقليل استهلاك الطاقة على المدى الطويل، ودعم أهداف التنمية المستدامة.
إن الاستثمار في إعادة استخدام المياه لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها المتغيرات الإقليمية والدولية، ويعكس رؤية بعيدة المدى تقوم على تنويع مصادر المياه، وتعزيز الأمن الوطني، وصون الموارد للأجيال القادمة، فكل قطرة ماء يمكن استعادتها وإعادة الاستفادة منها تمثل خطوة إضافية نحو مستقبل أكثر استدامة، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر استعدادًا لحماية الإنسان والبيئة والاقتصاد في آنٍ واحد.
اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي