د.شريف بن محمد الأتربي
قريبًا يعود أبناؤنا الطلبة إلى مقاعدهم الدراسية، وتفتح المدارس أبوابها من جديد، ويبدأ معها عام دراسي يحمل في داخله أحلامًا جديدة، وطموحات جديدة، وتحديات جديدة للجميع من طلبة ومعلمين وإداريين.
ستُفتح الفصول، وستُوزع الكتب الدراسية، وستُستكمل أعمال الصيانة والتهيئة، وستتزين المدارس بعبارات الترحيب، وستمتلئ الجدران باللوحات الإرشادية والتحفيزية.
كل ذلك مهم، ولا يمكن أن يبدأ عام دراسي بصورة جيدة من دون مدرسة مهيأة، وكتاب متوافر، وفصل جاهز، ومعلم مستعد.
لكن يبقى سؤال أراه أكثر أهمية: هل أعددنا الطالب للعام الدراسي الجديد بالقدر نفسه الذي أعددنا فيه المدرسة؟
هذا السؤال ليس انتقادًا لإجراءات الاستعداد للعام الدراسي، وإنما محاولة للنظر إلى الاستعداد من زاوية أخرى؛ زاوية الطالب نفسه، وما يحتاج إليه من شحن نفسي، وتحفيز، ونماذج نجاح، وتوعية، ودعم قبل أن يدخل إلى الفصل ويبدأ أول حصة.
فالعام الدراسي ليس مجرد جدول أعمال يبدأ وينتهي، وليس مجرد مجموعة من الحصص والاختبارات والدرجات.
إنه عام كامل من حياة الطالب. عام قد يكتشف فيه موهبته، أو يفقد ثقته في نفسه. قد يحقق فيه حلمه الجامعي، أو يتراجع مستواه الدراسي. قد يجد فيه صديقًا يدعمه، أو يتعرض لتنمر يترك أثرًا طويلًا في شخصيته.
وقد يكون العام الذي يصنع فيه أول إنجاز حقيقي يشعره بأنه قادر على المنافسة والنجاح.
ولهذا فإن الاستعداد للعام الدراسي يجب ألا يكون استعدادًا للمدرسة فقط، بل استعدادًا للإنسان الذي سيدخل المدرسة.
الطالب السعودي يحتاج إلى أن يرى قصص نجاحه.. لدينا في المملكة آلاف الطلبة والطالبات الذين يحققون كل عام إنجازات تستحق أن تتحول إلى قصص ملهمة.
طلاب وطالبات يتفوقون دراسيًا، ويفوزون في مسابقات علمية وأولمبيادات دولية، ويحصدون مراكز متقدمة في مجالات الابتكار والبحث العلمي، ويمثلون المملكة في المحافل الدولية.
ولدينا طلاب تفوقوا رياضيًا، وآخرون في الفنون والثقافة، وآخرون في البرمجة والروبوت والذكاء الاصطناعي، وغيرهم ممن صنعوا لأنفسهم ولأسرهم ولمدارسهم إنجازات تستحق الاحتفاء.
لكن السؤال: هل يعرف الطالب في المدرسة قصة هؤلاء؟
هل يرى أمامه نموذجًا حقيقيًا لطالب سعودي كان يجلس على مقعد دراسي يشبه مقعده، ويحلم مثلما يحلم، ثم استطاع أن يصل؟
هل نأخذ الطالب المتفوق إلى المدارس ليتحدث إلى زملائه؟
هل نسجل معه لقاءات قصيرة؟
هل نضع قصته في المنصات التعليمية؟
هل نحول نجاحه من خبر عابر إلى مصدر إلهام لآلاف الطلبة؟
الطالب لا يتأثر دائمًا بالنصائح المباشرة. أحيانًا يتأثر أكثر عندما يرى إنسانًا يشبهه استطاع أن ينجح.
أين حملة «أنا أستطيع»؟
ربما نحتاج قبل بداية كل عام دراسي إلى حملة وطنية كبرى تعيد تعريف النجاح لدى أبنائنا.
حملة تقول للطالب: أنت تستطيع.
ولكن ليس باعتبارها عبارة تحفيزية تعلق على جدار المدرسة، وإنما باعتبارها رسالة متكاملة لها برامج، وأدوات، ونماذج، وقصص.
نحتاج إلى أن يبدأ العام الدراسي بحملة وطنية للاحتفاء بالتفوق والتميز. حملة تتضمن قصصًا حقيقية لطلاب وطالبات سعوديين حققوا إنجازات في مختلف المجالات.
نحتاج إلى لقاءات مع المتفوقين الذين حصلوا على مقاعدهم الجامعية بعد رحلة امتدت لأكثر من اثني عشر عامًا.
فهذا الطالب لم يصل إلى الجامعة في يوم واحد. خلف مقعده الجامعي سنوات من الدراسة، والاختبارات، والقلق، والاجتهاد، وربما الفشل والمحاولة مرة أخرى.
أليس من حق زملائه الأصغر سنًا أن يسمعوا منه كيف فعل ذلك؟
أليس من حق الطالب الذي يظن أن النجاح بعيد عنه أن يعرف أن شخصًا مثله استطاع الوصول؟
التفوق لا يحتاج إلى تهنئة فقط.. بل إلى صناعة ثقافة
من السهل أن نكرم المتفوق بعد أن يحقق النتيجة. لكن التعليم الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير. نحن بحاجة إلى أن يتحول التفوق إلى ثقافة مدرسية وليس مجرد نتيجة تظهر في نهاية العام.
أن يعرف الطالب منذ الأسبوع الأول:
ما معنى التفوق؟
كيف يخطط لعامه؟
كيف يدير وقته؟
كيف يتعامل مع الاختبارات؟
كيف يطلب المساعدة عندما يواجه صعوبة؟
كيف يبني عاداته الدراسية؟
كيف يوازن بين الدراسة وحياته؟
وكيف يكتشف نقاط قوته قبل نقاط ضعفه؟
هذه كلها رسائل يمكن أن تبدأ قبل أن تبدأ المناهج نفسها.
وماذا عن الطالب الذي يعاني من الضعف الدراسي؟
إذا كان لدينا حملات للتفوق، فيجب أن تكون لدينا أيضًا حملات لمواجهة الضعف الدراسي.
ليس الهدف أن نقول للطالب: «أنت ضعيف» هذه العبارة التي حطمت آلاف من الطلبة في بدايتهم، وقضت على أحلامهم، وجعلتهم ظلا مشوشا يمشي في الرض كأنه كائن خفي، يتوارى من ضعفه وفشله. عبارة واحدة قادرة أن تهد جبل، فما بالك بطفل لازال في بداية حياته.
بل أن نقول له: «ما زال بإمكانك أن تتحسن»
هناك فرق كبير بين المدرستين.
الطالب الذي يتراجع دراسيًا يحتاج إلى من يكتشفه مبكرًا، ويفهم أسباب تراجعه، ويضع له خطة دعم، ويتابع تقدمه، ويشرك أسرته عندما يكون ذلك ضروريًا.
نحتاج إلى أن يصبح الدعم الدراسي جزءًا من الثقافة المدرسية، لا أن ننتظر حتى تتراكم الفجوات التعليمية ثم نحاول علاجها قبل الاختبارات.
فالضعف الدراسي إذا عولج مبكرًا يمكن أن يتحول إلى تقدم. أما إذا تُرك حتى يصبح جزءًا من صورة الطالب عن نفسه، فقد يتحول من مشكلة أكاديمية إلى مشكلة نفسية وسلوكية واجتماعية.
وماذا عن التنمر؟
أتفهم تمامًا أن المدارس ستواجه مشكلات التنافس بين الطلبة، واختلاف الشخصيات، والرغبة في إثبات الذات، وربما بعض السلوكيات التي قد تتطور إلى تنمر أو «فتونة»
لكن هل يكفي أن نعلق لوحة تقول: «لا للتنمر»؟
بالتأكيد لا.
الرسائل الموجودة على الجدران مهمة، لكنها ليست برنامجًا.
مواجهة التنمر تحتاج إلى حملة مستمرة تبدأ قبل الدراسة، وتتواصل طوال العام، وتصل إلى الطالب والمعلم والأسرة.
تحتاج إلى قصص ومواقف وتمثيليات قصيرة وحوارات طلابية وبرامج إرشادية وآليات واضحة للإبلاغ والتعامل مع الحالات.
الأهم من ذلك كله أن يعرف الطالب أن الإبلاغ عن التنمر ليس ضعفًا، وأن الدفاع عن زميله ليس جبنًا، وأن احترام الاختلاف ليس خيارًا إضافيًا وإنما جزء من شخصية الإنسان.
أين الرياضة؟
وماذا عن الطلبة المتفوقين رياضيًا؟
أليس الطالب الذي يحقق بطولة رياضية يمثل أنموذجًا للنجاح أيضًا؟
أليس من المهم أن يعرف زملاؤه كيف وصل إلى مستواه؟
كم ساعة يتدرب؟
كيف ينظم وقته؟
كيف يوازن بين التدريب والدراسة؟
كيف تعامل مع الفوز والخسارة؟
كيف عاد بعد الإصابة أو الفشل؟
نحن أحيانًا نحصر النجاح في الدرجة التي يحصل عليها الطالب في ورقة الاختبار.
بينما الحياة نفسها تقول لنا إن النجاح له مسارات متعددة.
هناك الطالب الأكاديمي.
وهناك الرياضي.
وهناك المبتكر.
وهناك الفنان.
وهناك المبرمج.
وهناك القائد.
وهناك من يمتلك موهبة اجتماعية أو مهارة يدوية أو قدرة استثنائية على حل المشكلات.
المدرسة التي لا ترى إلا الدرجة قد تفوّت اكتشاف الإنسان.
نحتاج إلى «أسبوع البداية» لا إلى «يوم البداية»
ربما حان الوقت لإعادة التفكير في الأيام الأولى من العام الدراسي.
لماذا لا يكون هناك أسبوع وطني لبداية العام الدراسي؟
أسبوع لا تكون مهمته توزيع الكتب والجداول فقط، وإنما بناء الحالة النفسية والتعليمية للطالب.
أسبوع للقصص الملهمة.
أسبوع للتفوق.
أسبوع للمواهب.
أسبوع للتوعية بالتنمر.
أسبوع لتعزيز الانضباط.
أسبوع للتعريف بالمسارات الجامعية والمهنية.
أسبوع يلتقي فيه الطلاب بنماذج ناجحة من خريجي مدارسهم.
أسبوع يتحدث فيه الجامعيون عن تجربتهم.
أسبوع يلتقي فيه الرياضيون والمبتكرون والمبدعون بالطلاب.
أسبوع يتعلم فيه الطالب كيف يخطط لعامه الدراسي.
أسبوع تقول فيه المدرسة للطالب بوضوح:
نحن لا نريد منك فقط أن تنجح في الاختبار.. نريدك أن تنجح في بناء نفسك.
من «لوحات على الجدران» إلى «رسائل تصنع السلوك»
لا أرى مشكلة في اللوحات الموجودة في المدارس.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللوحة إلى بديل عن البرنامج.
أن نكتب «احترم زميلك» لا يعني بالضرورة أن الطالب تعلم احترام زميله.
وأن نكتب «كن متفوقًا» لا يعني أننا علمناه كيف يتفوق.
وأن نكتب «لا للتنمر» لا يعني أننا واجهنا التنمر.
وأن نكتب «الرياضة صحة» لا يعني أننا صنعنا ثقافة رياضية.
التعليم لا يغير السلوك بالعبارات وحدها، وإنما بالتجربة والممارسة والنموذج والمتابعة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه قبل بداية كل عام دراسي ليس:
هل المدارس جاهزة؟
فقط.
بل:
هل الطالب جاهز؟
هل هو متحمس؟
هل يعرف ما الذي يريد تحقيقه؟
هل يعرف أين يمكن أن يجد المساعدة؟
هل يعرف قصص النجاح التي يمكن أن يحتذي بها؟
هل يعرف كيف يحمي نفسه ويحمي زملاءه من التنمر؟
هل يعرف أن ضعفًا دراسيًا في مادة ما لا يعني أنه ضعيف في الحياة؟
هل يعرف أن المدرسة يمكن أن تكون المكان الذي يكتشف فيه موهبته؟
هل يعرف أن النجاح ليس له طريق واحد؟
المدرسة ليست مبنى.. إنها بيئة تصنع الإنسان
ربما يكون الاستعداد التشغيلي للعام الدراسي هو الجزء الأسهل.
فالكتب يمكن طباعتها، والفصول يمكن تجهيزها، والمقاعد يمكن ترتيبها، والجدران يمكن طلاؤها.
لكن بناء البيئة النفسية والثقافية للمدرسة أكثر تعقيدًا.
نحتاج إلى مدرسة تجعل الطالب يريد أن يعود إليها.
مدرسة يرى فيها نماذج النجاح.
مدرسة يشعر فيها بالأمان.
مدرسة يجد فيها من يساعده عندما يتعثر.
مدرسة تكتشف موهبته قبل أن تضيع.
مدرسة تحتفي بإنجازه.
مدرسة تعلمه أن المنافسة لا تعني إقصاء الآخر، وأن التفوق لا يعني التقليل من الآخرين، وأن القوة الحقيقية ليست في إخافة الزملاء وإنما في القدرة على احترامهم.
وهنا أعتقد أن وزارة التعليم تستطيع أن تفعل أكثر بكثير من مجرد الاستعداد التشغيلي.
يمكنها أن تجعل من بداية العام الدراسي مناسبة وطنية لبناء الدافعية والوعي والتميز.
يمكنها أن تطلق حملات وطنية موحدة، وتترك للمدارس مساحة تنفيذها بما يتناسب مع طلابها.
يمكنها أن تبني بنكًا وطنيًا لقصص النجاح الطلابية.
يمكنها أن تحول خريجي المدارس والجامعات والمتفوقين والرياضيين والمبتكرين إلى سفراء إلهام للجيل الجديد.
ويمكنها أن تجعل من مواجهة التنمر والضعف الدراسي والتسرب وضعف الدافعية برامج مؤسسية قابلة للقياس، لا مجرد شعارات.
وفي النهاية..
سيعود أبناؤنا إلى مدارسهم قريبًا.
وسنقول لهم: «عام دراسي سعيد».
لكنني أتمنى أن تقول لهم المدرسة أكثر من ذلك.
أتمنى أن تقول للطالب المتفوق:
نحن نراك.. ونريد أن نساعدك على الوصول أبعد.
وأن تقول للطالب المتعثر:
نحن نراك.. ولن نتركك وحدك.
وأن تقول للطالب الذي يتعرض للتنمر:
نحن نراك.. ومدرستك مكان آمن لك.
وأن تقول للطالب الرياضي والمبتكر والموهوب:
نحن نراك.. وموهبتك جزء من نجاحك.
وأن تقول لكل طالب وطالبة:
أنت لست رقمًا في كشف الدرجات، ولا نتيجة في اختبار، ولا اسمًا في سجل الحضور. أنت مشروع إنسان، ونحن هنا لنساعدك على بناء هذا الإنسان.
فربما آن الأوان أن ننتقل في استعدادنا للعام الدراسي الجديد من سؤال:
هل جهزنا المدرسة؟
إلى السؤال الأهم:
هل جهزنا الإنسان الذي سيدخلها؟
لأن المدرسة قد تكون جاهزة بكل تفاصيلها، لكن إذا دخلها الطالب بلا دافعية، وبلا هدف، وبلا شعور بالأمان، وبلا نموذج نجاح يقتدي به، فإن أهم عناصر العملية التعليمية لم يكن جاهزًا بعد. الطالب نفسه.