د. سالم بن محمد آل جفشر
بعد أيام ينضم مئات الآلاف من الطلاب والطالبات إلى مؤسسات التعليم الجامعي في المملكة ليبدأوا مرحلة جديدة تختلف في تفاصيلها ومسؤولياتها عن سنوات الدراسة السابقة وهي لحظة لا تعني الانتقال من المدرسة إلى الجامعة فحسب بل بداية رحلة تتشكل فيها شخصية الطالب ويبدأ معها بناء مستقبله العلمي والمهني.
وحين يعبر الطالب بوابة الجامعة للمرة الأولى فإنه لا يدخل مجرد مكان للدراسة بل يدخل عالما جديدا تتغير فيه طريقة التفكير وتتسع فيه دائرة المسؤولية فالجامعة ليست قاعات ومحاضرات واختبارات وشهادة تنتظر في نهاية الطريق بل مساحة تتشكل فيها الشخصية وتنضج فيها التجربة ويبدأ الإنسان من خلالها في صناعة خياراته ومستقبله بنفسه.
وفي الجامعة تصبح المسؤولية أكبر فالطالب هو من ينظم وقته ويتابع مقرراته ويحدد أولوياته ويعرف متى يطلب المساعدة وكيف يستثمر الفرص وهذه المسؤولية من أهم مكاسب الحياة الجامعية لأنها تنقل الطالب إلى الاعتماد على الذات وتحمل القرار والاستعداد للحياة العملية.
ومن المهم أن يدرك الطالب المستجد أن الجامعة ليست سباقا قصيرا يحسم في الأسابيع الأولى بل رحلة تحتاج إلى التوازن والاستمرار فالحماس مهم لكنه لا يكفي والنجاح الحقيقي تصنعه العادات اليومية والانضباط وإدارة الوقت والقدرة على التعامل مع التعثر لذلك لا تجعل اختبارا صعبا يهز ثقتك فالتجربة الجامعية تعلم الإنسان كيف ينهض بعد التعثر بقدر ما تعلمه كيف يصنع النجاح.
ومنذ الأسبوع الأول تعرف على خطتك الأكاديمية وافهم مقرراتك ومتطلباتها ونظام الدرجات والحضور والغياب واعرف الخدمات التي تقدمها جامعتك فالطالب الواعي لا ينتظر حتى تقع المشكلة ليبحث عن الحل بل يعرف منذ البداية أين يذهب وممن يطلب المشورة وكيف يتعامل مع الأنظمة التي تنظم رحلته الجامعية.
وفي قاعة المحاضرة لا تجعل دورك مقتصرا على الاستماع فالجامعة تقوم على السؤال والبحث والنقاش وحاول أن تقرأ عن موضوع المحاضرة قبل حضورها ولو لدقائق قليلة فهذه الدقائق تصنع فارقا في فهمك وتجعلك أكثر قدرة على الربط والتحليل وطرح الأسئلة بدلا من استقبال المعلومات دون تفاعل.
ولا تنظر إلى أستاذك الجامعي باعتباره شخصا ينتهي دوره بانتهاء المحاضرة فأستاذ الجامعة يمتلك خبرة علمية وبحثية ومهنية يمكن أن تضيف إلى تجربتك واستفد من الساعات المكتبية واسأل عما لم تفهمه واستشر أستاذك في تخصصك ومستقبلك فالطالب الذي يسأل ويبحث عن المعرفة قد يفتح لنفسه بابا لفرصة بحثية أو تدريبية أو مهنية.
وزملاؤك أيضا جزء من تجربتك فالجامعة تمنحك فرصة للتعرف على تجارب مختلفة لكن جودة هذه العلاقات أهم من عددها فاختر من يساعدك على التقدم ويشاركك الطموح ويشجعك على الإنجاز وابتعد عن العلاقات التي تستهلك وقتك دون أن تضيف لك معرفة أو خبرة أو قيمة.
ومن أهم ما يجب أن يعرفه طالب الجامعة أن سوق العمل اليوم لا ينتظر الشهادة وحدها فالشهادة مهمة لكنها لم تعد كافية لصناعة التميز والفارق تصنعه المهارات والخبرات والتجارب التي يبنيها الطالب خلال سنوات الجامعة لذلك لا تنتظر السنة الأخيرة حتى تبدأ التفكير في مستقبلك المهني بل ابدأ مبكرا وشارك في الأنشطة والتطوع وابحث عن التدريب وتعلم مهارات جديدة وابن شبكة من العلاقات المهنية والعلمية.
والجامعة في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لم تعد مكانا لتلقي المعرفة فقط فالمعلومة أصبحت متاحة خلال ثوان والتحدي الحقيقي أصبح في قدرة الطالب على التفكير والتحليل والتمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة والاستفادة من التقنية دون أن تتحول إلى بديل عن عقله فتعلم كيف تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتطوير معرفتك ومهاراتك لكن لا تسمح لها بأن تفكر بدلا منك.
ولا تجعل رحلتك الجامعية محصورة بين المحاضرة والاختبار والدرجة فالجامعة مجتمع متكامل وفيها فرص قد لا تتكرر بعد التخرج فشارك وجرب واكتشف قدراتك فقد تدخل نشاطا طلابيا فتكتشف موهبة في القيادة أو تشارك في مسابقة فتكتشف قدرتك على الابتكار أو تعمل مع فريق فتتعلم مهارة في التواصل فكثير من المهارات تصنعها التجربة أكثر مما تصنعها الكتب.
وفي خضم الطموح نحو التفوق لا تجعل المعدل الأكاديمي المقياس الوحيد لقيمتك واجتهد لتحقيق أفضل نتيجة لكن افهم أن النجاح أوسع من رقم في السجل الأكاديمي فقد تتعثر في مقرر أو تنخفض درجتك في اختبار وهذا لا يعني نهاية الطريق فالطالب الناجح ليس من لا يخطئ بل من يعرف كيف يحول الخطأ إلى خبرة والتعثر إلى نقطة انطلاق جديدة.
وتذكر دائما أن سنوات الجامعة ستمر أسرع مما تتصور وسيأتي اليوم الذي ترتدي فيه ثوب التخرج وتحمل شهادتك وتنظر إلى السنوات التي مضت، وعندها لن تكون قيمة التجربة في الشهادة وحدها بل في الإنسان الذي أصبحت عليه وفي المعرفة والمهارات التي اكتسبتها وفي التحديات التي صنعت منك شخصا أكثر وعيا وثقة.
إلى كل طالب وطالبة: يبدأ اليوم مرحلة جديدة من حياته الجامعية أقول إن هذه السنوات ليست مجرد طريق إلى شهادة بل فرصة حقيقية لصناعة الذات وبناء المستقبل فلا تدخل الجامعة بعقلية من يبحث عن شهادة فقط، بل ادخلها بعقلية من يبحث عن المعرفة والفرصة والتجربة وبعد سنوات حين تغادر البوابة التي دخلت منها اليوم فليكن الفرق بين الدخول والخروج أكبر من شهادة تحملها بيدك، وليكن الفرق إنسانا أكثر علما ونضجا وخبرة وطموحا وقدرة على صناعة مكانك في المستقبل.
** **
- أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان