«الجزيرة» - علي العنزي:
لم تعد المسؤولية الاجتماعية في مفهومها الحديث تقتصر على التبرعات أو رعاية الفعاليات والمناسبات، بل أصبحت تُقاس بقدرتها على إحداث أثر تنموي مستدام في المجتمع. وفي هذا السياق، يبرز دور مراكز التدريب الأهلية (التقنية والمهنية) كأحد أهم الشركاء القادرين على تحويل مبادرات المسؤولية الاجتماعية إلى برامج تنموية تُسهم في بناء الإنسان، وتعزيز فرص العمل، وتنمية المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
فعلى الرغم مما تمتلكه مراكز التدريب الأهلية المنتشرة في كافة أنحاء المملكة من خبرات وإمكانات وتقنيات متطورة في مجال التدريب والتأهيل، إلا أن حضورها في برامج المسؤولية الاجتماعية لا يزال دون المستوى المأمول، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مهماً، لماذا لا تستفيد مؤسسات القطاع الخاص ضمن نطاق مسؤوليتها الاجتماعية من عقد شراكات مع مراكز التدريب الأهلية لتنفيذ برامج تدريبية لتأهيل الشباب الخريجين والباحثين عن عمل، وتمنحهم المهارات التي تساعدهم على بناء مستقبلهم المهني؟ فهي بذلك تشارك في معالجة أكثر القضايا إلحاحاً والمتعلقة بتوظيف الشباب وتوفير فرص عمل ملائمة لهم. وبحسب إحصاءات رسمية فقد سجلت المملكة مرتبة متقدمة عالمياً في مؤشر المسؤولية الاجتماعية وفق تقرير التنافسية العالمية، وتخطت القيمة الإجمالية لمبادرات المسؤولية الاجتماعية لدى القطاع الخاص حاجز الـ 4 مليارات ريال من خلال المنصة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية؛ مما مكن من إطلاق مبادرات استفاد منها أكثر من 9 ملايين شخص في مختلف مناطق المملكة، وهو ما يعكس اتساع نطاق المبادرات المجتمعية وتزايد إسهام القطاع الخاص في دعم المشاريع التنموية.
يؤكد مختصون في المسؤولية الاجتماعية أن التوجه العالمي انتقل من تقديم الدعم التقليدي إلى الاستثمار الحقيقي في تنمية القدرات البشرية، باعتباره أحد أكثر الاستثمارات استدامة، حيث يمكن للمنشأة تقديم دعم مالي لتمويل برامج تدريبية ضمن نطاق المسؤولية الاجتماعية تسهم في تأهيل الشباب والباحثين عن العمل والحد من البطالة، وهو ما يعد أحد أكثر أشكال المسؤولية الاجتماعية تأثيرًا واستدامة وتحقيق أثر اجتماعي واقتصادي للبلد.
مراكز التدريب شريك في المسؤولية الاجتماعية
في هذا السياق أوضح الأستاذ فاير سالم الغشم رئيس مجلس إدارة معهد المسار التقني العالي للتدريب في منطقة الحدود الشمالية، أنه في ظل التحولات الاقتصادية ومتطلبات سوق العمل، تعد مراكز التدريب شريكًا مهمًا للشركات والمؤسسات في تنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية، فالتدريب ليس مجرد نشاط تعليمي بل استثمار في الإنسان وأداة لبناء مجتمع أكثر قدرة على الإنتاج والابتكار، مشيراً إلى أن إيجاد شراكات فاعلة بين مؤسسات القطاع الخاص ومراكز التدريب التقني والمهني، يمكن أن تتحول معها المسؤولية الاجتماعية من مبادرات موسمية أو تبرعات مادية إلى برامج تنموية مستدامة، تترك أثرًا حقيقيًا يمتد لسنوات، ويعود بالنفع على الاقتصاد الوطني ككل.
معهد المسار.. والتجربة الاستثنائية
استشهد رئيس ومؤسس معهد المسار التقني العالي للتدريب في منطقة الحدود الشمالية، بتجربة المعهد التي وصفها بـ «الاستثنائية» في تنفيذ عدد من المبادرات والبرامج ضمن إطار المسؤولية الاجتماعية لخدمة أبناء المنطقة، مؤكداً أن إدارة المعهد اعتمدت خلال هذا العام منح بعض فئات المجتمع فرص للالتحاق بالدورات التدريبية وورش العمل المخصصة للطلاب والشباب في عدة مجالات تعليمية وتقنية بدون أي مقابل مادي، وقد استفاد من تلك الدورات أكثر من 5200 متدرب ومتدربة من الفئة المستهدفة منذ تأسيس المعهد، منهم نحو 852 متدرباً ومتدربة من بداية العام الجاري، وكان للشهادات التي حصلوا عليها داعماً مساعداً لهم في التوظيف ورفع مستوى المهارات الشخصية والمهنية.
وقدم رئيس مجلس إدارة معهد المسار التقني العالي للتدريب شكره لصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة الحدود الشمالية، على ما يقدمه لقطاع التدريب في المنطقة من دعم واهتمام لا محدود وتقديره للجهود التي تبذل في تنمية رأس المالي البشري ورفع كفاءة الكوادر الوطنية وتعزز فرص التوظيف والتأهيل في المنطقة بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. مثمناً في الوقت ذاته للمهندس حسن السليم مدير عام المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني في منطقة الحدود الشمالية، جهوده في تقديم الدعم والمتابعة لقطاع التدريب الأهلي، وتشجيعه الدائم المستمر على تقديم برامج تدريبية متميزة تواكب احتياجات سوق العمل في مختلف التخصصات التقنية والمهنية.
صناعة الأثر في تطوير الكفاءات الوطنية
وأفاد الغشم بأن نجاح المسؤولية الاجتماعية في معاهد التدريب يعتمد على تكامل برامج التدريب المعتمدة ودعم ورعاية الجهات المعنية في القطاعين العام والخاص لإقامة الدورات التدريبية وورش العمل ووضع خطط تهدف إلى تقديم قيمة فعلية للمجتمع، سواء من خلال تهيئة المتدربين للعمل، تمكين الفئات المحتاجة، أو دعم المشاريع الخيرية والاجتماعية».
تعزيز جاهزية الشباب للتوظيف
وأشار الغشم إلى أن إشراك مراكز التدريب في تنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية التي تقدمها شركات القطاع الخاص يوفر جملة من الإيجابيات والتي من أهمها: تأهيل الباحثين عن العمل بالمهارات المطلوبة في سوق العمل، رفع كفاءة الشباب والخريجين وتعزيز جاهزيتهم للتوظيف، إضافة إلى تمكين المرأة والفئات الأكثر احتياجًا من اكتساب مهارات مهنية جديدة، إلى جانب المساهمة في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية عبر تنمية رأس المال البشري والحد من البطالة.
تلبية سوق العمل
ودعا الغشم شركات ومؤسسات القطاع الخاص لتحويل مبادراتها الاجتماعية باتجاه تنمية القدرات البشرية من خلال عقد شراكات مؤسسية طويلة المدى مع معاهد التدريب ضمن إطار المسؤولية الاجتماعية لتنفيذ برامج تدريبية دورية تتوافق مع احتياجات تلك القطاعات المختلفة وتلبي سوق العمل، مثل: تقنية المعلومات، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، ريادة الأعمال، الأعمال المكتبية، وغيرها من البرامج التي تزيد من فرص توظيف المستفيدين بعد انتهاء التدريب.
الاستثمار في رأس المال البشري
وهنا يرى المستشار الإعلامي خالد الهايل أن الاستثمار في رأس المال البشري من خلال التدريب والتأهيل قد يكون أحد أكثر أشكال المسؤولية الاجتماعية تأثيرًا واستدامة، وأن إشراك مراكز التدريب في تنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية سيمكن الشركات والمؤسسات الراعية من تنفيذ مبادرات تنموية نوعية تستهدف تأهيل الأفراد، تعزيز فرص التوظيف، دعم ريادة الأعمال، ورفع كفاءة الكوادر الوطنية.
وقال: «ليس من المهم كثرة المبادرات وإنما الأثر الذي يمكن أن تحدثه تلك المبادرات كونه المقياس الحقيقي للنجاح، بمعنى أن المسؤولية الاجتماعية لا يجب أن تكون مجرد مبادرات موسمية أو تبرعات أو رعاية فعاليات، بل بناء شراكات فاعلة بين الجهات المتخصصة قادرة على إحداث تغيير حقيقي ونهجًا استراتيجيًا يصنع المستقبل».
شريك فاعل في تنمية المجتمع
اعتبر الهايل الذي يشغل مديراً لفرع هيئة الصحافيين السعوديين في منطقة الحدود الشمالية سابقاً أن وجود تعاون بين مؤسسات القطاع الخاص ومراكز التدريب سيحقق قيمة مضافة لجميع الأطراف، من خلال توجيه استثمارات المسؤولية الاجتماعية نحو برامج تدريبية ذات أثر قابل للقياس والاستدامة، بما يعزز دور المؤسسات كشريك فاعل في تنمية المجتمع».
«قدرات وتحصيلي».. والضمان الاجتماعي
ويقترح الهايل عددًا من المبادرات التي يمكن أن تنفذها شركات ومؤسسات القطاع الخاص بالشراكة مع مراكز التدريب والتي منها: برامج تدريب لحديثي التخرج والباحثين عن العمل، دورات تدريبية لطلاب المرحلة الثانوية للاستعداد لاختبارات القدرات والتحصيلي، برامج تدريب منتهية بالتوظيف بالتعاون مع الشركات، منح تدريبية للطلاب المتفوقين وأبناء المستفيدين من الضمان الاجتماعي، ورش توعوية في الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، الثقافة المالية، والسلامة المهنية.
هذا وتتطلع الأوساط الاقتصادية والاجتماعية إلى أن تصبح مراكز التدريب شريكًا تنفيذيًا للشركات والمؤسسات الكبرى الناشطة في دعم خدمة المجتمع، وتتحول مبادرات المسؤولية الاجتماعية فيها من أنشطة قصيرة الأمد إلى برامج تنموية مستدامة تحقق أثرًا ملموسًا للأفراد والمجتمع والمؤسسات على حد سواء.
وكذلك الاستفادة من تجربة معهد المسار في مشروعه للمسؤولية الاجتماعية في تحفيز مراكز التدريب الأخرى في كافة المناطق والمحافظات للقيام بمبادرات مشابهة وتخصيص نسب مقاعد مجانية ثابتة لأبناء المنطقة خاصة غير القادرين عن تحمل دفع تكاليف تلك الدورات وأبناء المستفيدين من الضمان الاجتماعي، وبناء شراكات ذكية مع القطاعين الحكومي والخاص لتوسيع دائرة الاستفادة.
معهد المسار التقني العالي للتدريب
يعد معهد المسار التقني العالي للتدريب الذي تأسس في عام 2019 ومقره الرئيسي مدينة عرعر في منقطة الحدود الشمالية أحد اهم مؤسسات التدريب المعتمدة من المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني ومن وزارة التعليم في تقديم عدد من الدبلومات والدورات التدريبية المعتمدة التي تؤهل المتدربين لسوق العمل وتنمي مهاراتهم باستخدام أحدث التقنيات والأساليب سواء حضورياً أو عن بُعد يقدمها نخبة من خبراء التدريب المعتمدون محلياً ودولياً.
ولم تقتصر مساهمة معهد المسار التقني العالي للتدريب الذي يضم حالياً أكثر من 4980 متدرباً ومتدربة على تقديم الدورات التدريبية لتطوير المهارات المهنية للشباب والفتيات بل قدم نموذجاً وطنياً في استدامة العطاء والمساهمة في سد الفجوة بين المخرجات التعليمية ومتطلبات سوق العمل الفعلي من خلال تقديم محتوى تدريبي يركز على التطبيق العملي المباشر، إلى جانب عقد شراكات تعاون مع عدة جهات حكومية وخاصة لتوفير قاعات التدريب والخدمات اللوجستية لهم بهدف دعم بيئة ريادة الأعمال عبر توفير المساحات والقاعات التدريبية للشركات الصغيرة والمتوسطة لاستضافة ورش عملهم، مما ساهم في خفض التكاليف التشغيلية للمشاريع الناشئة وتوليد فرص عمل جديدة.