أحمد الأسمري
ما تشهده الساحة العراقية اليوم من ملاحقات قضائية وتوقيفات متتابعة، طالت شخصيات استندت إلى نفوذها ردحاً من الزمن في قضايا فساد، يتجاوز في نظر الشارع مجرد الإخبار عن التحقيقات وأسماء المقبوض عليهم.
فالأسئلة التي ترافق كل حملة من هذا النوع هي: هل تمضي السلطة حتى النهاية؟ هل تصل يد المحاسبة إلى الرؤوس الكبيرة؟ وهل تُستعاد الأموال المنهوبة كاملة، وتتحول الإجراءات إلى نتائج يلمسها الناس؟
هذه الأسئلة لا تخص العراق وحده، بل تتردد في عواصم عربية عدة كلما فُتح ملف فساد، أو تعهدت حكومة بملاحقة المتورطين.
لكن في خلفية هذا المشهد، يحضر نموذج أعاد صياغة معنى الجدية في صون المال العام، ووسّع ما يأمله المواطن العربي من حكومته، وهو النموذج السعودي الذي صنعه الأمير محمد بن سلمان.
في مايو 2017، أعلن سمو ولي العهد، بعبارة حاسمة، أن أي شخص تثبت عليه قضية فساد لن ينجو، سواء كان أميراً أو وزيراً أو أياً كان.
وبعد أشهر، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أمره بتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد.
وعلى الأرض كان العمل يجري بهمةٍ وإقدام. استُدعي 381 شخصاً، بعضهم للإدلاء بشهاداتهم، وانتهت التسويات إلى استرجاع أموال وأصول تجاوزت قيمتها 400 مليار ريال لصالح الخزينة العامة.
كانت تلك لحظة فاصلة في تاريخ الدولة السعودية الحديث، لأن الرسالة لم تتجه إلى المتورطين وحدهم، بل وصلت إلى المجتمع بأكمله: لا منصب يمنح حصانة، ولا نفوذ يعلو على حق الوطن والمواطن.
فالمال العام ليس مجرد رقم في الميزانية. إنه مدرسة، ومستشفى، وطريق، وفرصة عمل، ومشروع ينتظر الناس اكتماله. وكل ريال يُحمى من الهدر، أو يُسترد من أيدي الفاسدين، يعود في نهاية المطاف إلى المواطن ومستقبله.
من هنا تتضح قيمة ما أنجزه الأمير محمد بن سلمان. فقد وضع النزاهة في قلب التحول الضخم، وتعامل معه بوصفه شرطاً أساسياً للتنمية، لا ملفاً إدارياً جانبياً.
ولا يمكن بناء اقتصاد قوي، أو جذب استثمارات كبرى، أو تنفيذ مشروعات بحجم رؤية المملكة 2030، في بيئة لا تصون المال العام، ولا تمنح المواطن والمستثمر الثقة في المؤسسات والتشريعات.
والأهم أن مواجهة الفاسدين لم تتوقف عند حملة عام 2017، أو تتحول إلى مشهد استثنائي ينتهي بانتهاء ظرفه، بل استمرت أعمال الرقابة والتحقيق، وتوالت القضايا التي شملت مسؤولين وموظفين في قطاعات مختلفة، لتصبح المحاسبة نهجاً مؤسسياً ثابتاً لا يستثني أحداً.
هذا النجاح لم يبقَ داخل حدود المملكة.
ففي العراق، تكررت المطالب الشعبية بالوصول إلى «الحيتان» واستعادة الأموال المنهوبة، بدلاً من الاكتفاء بتوقيف صغار الموظفين.
وفي لبنان، ارتفعت أصوات سياسية وإعلامية وشعبية تدعو إلى حزم مماثل في مواجهة الفساد وأصحاب النفوذ.
وفي الكويت ودول عربية أخرى، تحضر التجربة السعودية في النقاشات العامة كلما تجدد الحديث عن حماية مقدرات الدولة أو حامت الشكوك حول قضية أو مسؤول.
يتجلى هذا التأثير بوضوح في منصات التواصل الاجتماعي، إذ يسارع مغردون ومحللون ومواطنون عاديون، مع كل حملة عربية جديدة، إلى استدعاء المثال السعودي والمطالبة بنتائج واضحة وأسماء معلنة.
فالرأي العام العربي لم يعد يكتفي ببيان مكرر أو وعد مفتوح، بل أصبح يتساءل: من حوسب؟ ماذا تحقق؟ وكم عاد إلى خزينة الدولة؟
لقد صانت المملكة مقدراتها، وعززت هيبة مؤسساتها، وربطت النزاهة بالتنمية والاستقرار، وقدمت للعالم العربي دليلاً عملياً على أن الإصلاح الجذري ممكن متى حضرت الإرادة والقرارات الحازمة.
ومن حق السعوديين أن يعتزوا بأن بلادهم رفعت سقف الطموح العربي في مواجهة الفساد، ورسخت حقيقة أن سيادة القانون هي الطريق الأقصر إلى ثقة الناس.