عبدالعزيز صالح الصالح
كل إنسان في هذه الحياة لديه موهبة في داخل نفسه فهو يحتفظ في ذاكرته بطوائف متنوِّعة من الذكريات، سواء منها الجميلة أو المريرة وهو لا يستطيع، ينشر صفحاتها ويطويها بين الفيِّنة تلو الفيِّنة حتى يصبح هو نفسه ذكرى من الذكريات وصدى من أصداء السِّنين الخالية. فتاريخ كتابة القصَّة بمثابة نبع من التراث العربيِّ وكل أمَّة من الأمم مهما كانت متقدمة أو متخلفة في مضمار الحياة لها نصيبها المقسوم من الذكريات الحلوة والمرة وهذا النصيب المقسوم ما يسمَّى تاريخها. فقد وصلت الثقافة العربيَّة والإسلاميَّة إلى قمة النضج، وذروة الإحساس بالمسؤوليَّة الكاملة عن التقدم البشري، ونقل الإنسانيَّة من عصور الجهالات والظلمات إلى عصر النور والضياء.
وبعد هذه المقدمة القصيرة آنفة الذكر - سوف اتناول مسيرة حياة ذلك الأديب العربي الكبير في تلك الحقبة الزمنية الماضية فهو رائد من رواد فن كتابة القصَّة القصيرة محمود تيمور ولد في عام 1314هـ الموافق 1894م في منزل علم وأدب؛ فقد تحدث عن مسيرة القصة القصيرة أن لها أثر من الحقيقة والواقع فإن عناصر القصَّة على اختلاف مصادرها فإنها تظِّلِّ مواد جامدة خامدة لا روح فيها ولا حركة ولا حياة إلا أنها بحالة جمالية تسري بالمتلقِّي إلى متعة التلقي في أيِّ مكان وتحت أي ظرف من الظروف، فإنها تحقق شرطية المنهج الفني الذي يوحد كُتَّاب السرد في إبراز نشر مناسب يتجاوز الصِّعاب ويتخطى المعوِّقات وإذا سرت في كيان تلك القوَّة السحرية وقوِّة الإلهام فإن المواضيع قد تتشابه وقد تتحد بعض أقلام الكُتَّاب متنوِّعي المواضيع قد تتميز بتلك الصياغة وبراعة الإخراج.
فإن محمود يؤمن بن حياة الكاتب لا يمكن أن تنفصل على مجال انتاجه فالكاتب هو مجال انتاجه وينطبق هذا على محمود تيمور ذاته فنجده يقول (كل عمل من أعمالي هو جزء من ذاتي، وبضعة من حياتي، لقد أودعت اعمالي ما شعرت به علي مدى أيامي، وما أفدت من مدامجتي للناس ومعاشرتي إياهم على اختلاف المشارب والفئات والبيئات، وعلى الرغم من مضي عشرات من السِّنين، على بعض أعمالي الأدبيَّة، ومضى أزمان متفاوته أقلَّ من ذلك على بعض هذه الأعمال، فإني لا أكاد أذكر أن لي من بينها عملاً لا يمت إلى نفسي وذاتي بسبب، لأني لم اكن اتكلف التعبير، وإنما كتبي تصدر مشاعري وإحساساتي النابعة من ذاتي، فإني وكتبي، كما قال الشاعر الحكيم (انا أنطونيو، وأنطونيو أنا) ويرى تيمور عن دور القصَّة القصيرة في عالمنا المعاصر (ما احسبني أغلو إذا جهرت بأن القصَّة، بما قدمت من وصف للمجتمع وبما قدمته من وصف لشخصياته ونفسياته، كانت من بين العوامل التي هيأت الأذهان لحركة التطور والتجديد، وأثرت هذه القصص على ذلك الإنسان الذي يتطلع إلى غد أسعد وأمجد.
حيث إنه يؤمن بمجال القصَّة – قائلاً إننا نزاول كتابه القصَّة بألوان متنوِّعة من تراثنا العربيِّ الأصيل فأعمالنا القصصيه العصرية، حيث إنها تحمل لقاحات من تراثنا العربي العريق، ومن قصصنا الشرقي التليد .. فالأدب العربيِّ قصص ذو صبغة خاصَّة وإطار مرسوم له وهو يصور نفسيَّة المجتمع العربيِّ، فلا يقصر في التصوير .. ويبرز خصائص التراث القصصي العربيِّ، من دقَّة الوصف، وروعة التصوير، وفصاحة البيان، والقدرة على استنباط الحقائق وروح الفكاهة، والمرح، وتصوير مرافق الحياة الاجتماعيَّة ومظاهرها، وتلقط العجائب والغرائب، وتعقب ألوان الشذوذ في أحداث الحياة، والكشف عن عقليات العرب وعقائدهم، حتى يصل للقول (بأن القصَّة العربيَّة تشق طريقها إلى الطابع الإنسانيِّ الشامل، وأن القصَّة هدف أساسي، وهو المحافظة على التراث القومي والمساهمة في التربيَّة الاجتماعيَّة الشاملة، التي تحافظ على العادات والتقاليد، ونشر الفضائل، ونقد الرذائل في المجتمع..).
فهو له آراء بليغة في الدور الاجتماعيِّ للقصة القصيرة، فله آراء عديدة في المسرح والشعر والفن، تنبع من نفس المضمون الاجتماعيِّ والهدف القومي ولم لا؟
فالفن عنده من العوامل التي ينبغي لنا أن نستبقها من تراث ماضينا، حتى يكون لها الأثر المنشود، ويكون مترجماً من طابعنا الذي يمثل الشَّخصيَّة العربيَّة فهذه نبذة موجزة عن سيرة الأديب العربيِّ ورائد لفن القصَّة القصيرة في تلك الحقبة الزمنية الماضية.