د. ياسين علي محمد عزي
منذ أن انطلقت رؤية المملكة 2030 في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، أعادت المملكة تعريف علاقتها بمستقبلها؛ فلم يعد السؤال ماذا تملك السعودية، بل ماذا تستطيع أن تصنع بما تملك؟ فالجغرافيا غدت قدرة على الربط، والثقل الاقتصادي قوةً لصناعة الفرص، والطموح مشروعًا تقوده المؤسسات ويُقاس بالأثر. وفي قلب هذا التحول تبلورت فلسفة قيادية ترى أن قيمة المقومات الوطنية لا تكتمل بامتلاكها، وإنما بما تستطيع الدولة أن تصنعه من خلالها.
ويمتد هذا المنطق اليوم إلى واحد من أكثر المجالات اتصالًا بمستقبل الدول واستقرارها: الأمن. فالقوة، في المشروع الذي يقوده سمو ولي العهد، لا تبلغ مداها بحماية الحدود بكفاءة فحسب، بل بقدرة الدولة على توظيف موقعها وعلاقاتها وثقلها السياسي في جمع الشركاء وتنظيم المصالح المشتركة، حتى يصبح الاستقرار مصلحةً تتجاوز حدود الدولة نفسها.
ومن هذه الزاوية يصعب النظر إلى حدثين شهدتهما المملكة أخيرًا بوصفهما واقعتين منفصلتين: إنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ثم توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان، التي قررت أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا. فالحدثان، على اختلاف طبيعتهما، يقدمان صورتين لفلسفة واحدة: بناء القوة قبل الحاجة إلى استخدامها، وتحويل الاستقرار من شأن وطني إلى مصلحة تلتقي عندها مصالح شركاء متعددين.
منذ تأسيس المملكة كان الأمن في صميم مشروع الدولة. فقد أعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، للأرض وحدتها، وللطريق حرمته، وللإنسان ثقته بالمكان. ولم ينته أثر ذلك عند تثبيت الدولة؛ بل كان الأساس الذي أمكن فوقه أن تبدأ المدرسة، ويُبنى المستشفى، ويتسع العمران، وتنمو مؤسسات الدولة. فالإنسان الذي يستنزفه الخوف ينشغل بحماية يومه، أما المطمئن فيملك أن يفكر في غده.
ومع تعاقب مراحل الدولة اتسع معنى الأمن؛ من حفظ النظام وحماية الحدود إلى صون الاقتصاد والحقوق ونمط الحياة، ثم حماية البيانات والخدمات والمنشآت الحيوية واستمرار التنمية. ومع ما أحدثته رؤية المملكة 2030 من تحول واسع، أصبح الأمن أكثر التصاقًا بالمشروع التنموي نفسه؛ فالمدينة الجديدة تحتاج إلى أمن يحفظ إيقاع الحياة فيها، والوجهة السياحية لا يكتمل جمالها من غير طمأنينة، والاستثمار لا تجذبه الفرص وحدها ما لم يثق باستقرار المؤسسات واستمرارية الأعمال.
بهذا المعنى لم تكتفِ السعودية بصناعة الأمن، بل جعلت الأمان جزءًا من علاقة الإنسان بوطنه. فالأمن تصنعه قوة الدولة وكفاءة مؤسساتها، أما الأمان فينشأ حين تتحول تلك القوة إلى ثقة؛ حين يوقن الإنسان أن الحماية لا تبدأ بعد وصول الخطر، وإنما تسبقه بالتخطيط والاستعداد وبناء القدرة.
وقد حاولت في قراءة سابقة وصف هذا التحول بمفهوم «هندسة الطمأنينة». ولم أقصد بالطمأنينة غياب الخطر وحده، بل حضور الدولة في وعي الإنسان من خلال أثر يسبق الأزمة. وكان جوهر تلك القراءة أن القوة السعودية لا تُقرأ بما تملكه الدولة وحده، وإنما بما تصنعه من ثقة وأمان ويقين بالمستقبل. وهذا المقال يمضي بالفكرة من الداخل إلى المحيط.
فالتحالف البحري يأتي امتدادًا لمسار سعودي جعل الأمن أساسًا للاستقرار، ثم حمل هذا المعنى إلى شراكات أوسع تتصل بأمن المنطقة ومصالحها المشتركة. واللافت في البيان المؤسس للتحالف أنه لم يبدأ بمن يريد مواجهته، بل بما يريد حمايته: حرية الملاحة، وخطوط التجارة الدولية، وإمدادات الطاقة، والمصالح البحرية المشتركة، ضمن ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وهذا الاختيار يتجاوز اللغة الدبلوماسية إلى جوهر الفكرة؛ فالخصومة قد تجمع الدول في لحظة خطر، أما المصلحة المشتركة فتمنح اجتماعها امتدادًا أبقى. لذلك جاء البناء المؤسسي للتحالف معبرًا عن هذا المعنى: قيادة مشتركة، ومراكز للقيادة والسيطرة والعمليات، وأمانة عامة، إلى جانب تبادل المعلومات والتخطيط والتدريب وبناء القدرات، مع بقاء مشاركة كل دولة خاضعة لقرارها السيادي وأنظمتها الوطنية.
ولا تكمن أهمية هذا البناء في أجهزته ومسمياته وحدها، بل فيما يراكمه من خبرة ومعرفة وثقة في العمل المشترك؛ فوجود آليات جاهزة للفهم والتنسيق واتخاذ القرار يجعل الاستجابة أكثر نضجًا حين تتطلبها الحاجة.
وتعود هنا فلسفة رؤية المملكة 2030؛ فالمقومات الوطنية لم تُقرأ بوصفها مزايا يكفي امتلاكها، وإنما إمكانات تتحدد قيمتها بما تصنعه. فالجغرافيا التي منحت المملكة موقعها أصبحت بابًا للربط والشراكة، والموارد اتجهت إلى صناعة فرص المستقبل، والإنسان أصبح شريكًا في التنمية. والمنطق ذاته يجد اليوم امتداده في الأمن.
فثقل المملكة يستند إلى موقع يتوسط ممرات بالغة الأهمية، وحضور سياسي واقتصادي مؤثر، وخبرة في إدارة الملفات الكبرى، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية. وحين تجتمع هذه العناصر يصبح أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن موضعًا تتقاطع فيه مصالح المملكة مع مصالح دول بعيدة جغرافيًا، لكنها وثيقة الصلة بما تعبره هذه الممرات من تجارة وطاقة وإمدادات.
والقيادة في معناها الأبعد لا تقف عند موقع الصدارة، بل تظهر في القدرة على جمع دول تختلف في حساباتها حول مصلحة تدرك أن حمايتها تخدم الجميع. ومن هنا تكتسب قيادة المملكة للتحالف واستضافتها مقره الدائم وأجهزته التنفيذية دلالة تتجاوز مجرد الحضور في ترتيب أمني؛ فهي تعبر عن مبادرة سعودية تسهم في صياغة ترتيبات تستجيب لاحتياجات المنطقة وتمنح دولها دورًا أوسع في حماية مصالحها.
ثم جاءت مكة المكرمة لتحتضن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان، فأضافت إلى دلالة المكان بعدًا سياسيًا معاصرًا. وتقوم الاتفاقية على قاعدة صريحة: أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا. وبذلك لا يعود قرار الاعتداء متعلقًا بدولة واحدة، بل بموقف ثلاث دول جمعت أمنها في التزام دفاعي مشترك.
وتأتي قوة هذا الالتزام أيضًا من اختلاف الدول الثلاث، لا من تشابهها؛ فلكل من السعودية وتركيا وباكستان ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري، وعلاقاتها الدولية ومصالحها الخاصة. وحين تلتقي هذه الأوزان داخل التزام دفاعي واحد، يصبح أثرها أبعد من قدرات منفردة لا يجمعها التزام مشترك.
أما الشراكة الدفاعية طويلة المدى، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وبناء القدرات الذاتية المستدامة، فتنقل الاتفاقية من وعد بالمساندة عند الخطر إلى عمل يسبق الخطر نفسه. فالردع يحقق غايته حين يعرف الطرف الآخر، قبل اتخاذ قراره، أن الاعتداء لن تبقى كلفته محصورة في الطرف المستهدف.
واللافت أن اتفاقية مكة، شأنها شأن التحالف البحري، لم تُبنَ على خصومة مع طرف بعينه؛ فقد أُكد أنها لا تؤسس محورًا عسكريًا أو تكتلًا مذهبيًا ولا تستهدف دولة بعينها. ويجمع المبادرتين وضوح الغاية: أمن الدول، وحرية الملاحة، واستمرار التنمية؛ وهي مصالح أبقى من الظروف التي قد تهددها.
وحين يُقرأ الحدثان معًا يظهر بينهما انسجام يتجاوز تقاربهما الزمني. فالتحالف البحري يجمع دولًا حول أمن الممرات والتجارة والطاقة، بينما تمنح اتفاقية مكة أمن أطرافها الثلاثة التزامًا دفاعيًا مشتركًا. وبين حماية الممر وردع الاعتداء تتجلى فلسفة أمن لا تنتظر الخطر عند الحدود، بل تبني من القدرة والشراكة ما يجعل الوصول إليها أكثر كلفة.
وهنا يظهر أحد أكثر وجوه الردع نضجًا: أن يحقق أثره قبل استخدام القوة. فكلما كان الالتزام أوضح، والشركاء أكثر قدرة على الوفاء به، ضاق هامش المغامرة أمام من يفكر في الاعتداء. وعندها لا تكون القوة غاية في ذاتها، بل سندًا للسلام والاستقرار.
ولا تنمو القوة السعودية بزيادة قدراتها الذاتية وحدها، بل بما تضيفه الشراكات إلى أثر تلك القدرات. فحين يصبح أمن المملكة متصلًا بمصالح شركائها، ويصبح استقرارهم حاضرًا في مصالحها، تتحول العلاقة من مساندة عند الحاجة إلى مصلحة مشتركة في منع الخطر قبل وقوعه.
غير أن أمن البحر الأحمر لا يتعلق بالسفن والجيوش وحدها؛ فما يجري في ممراته ينعكس على حركة الغذاء والطاقة والتجارة، وانتظام سلاسل الإمداد، واستمرار العمل والاستثمار. وأي اضطراب في هذه الممرات لا يبقى أثره في البحر، بل يصل إلى الاقتصاد وحياة الناس.
لهذا تبقى قيمة الأمن فيما يصل منه إلى الإنسان. فرؤية المملكة 2030 لم تفصل التنمية عن الإنسان، والأمن بدوره لا تكتمل قيمته في الخرائط والتوازنات وحدها. فما جدوى ممر آمن إن لم تصل عبره الطاقة والغذاء والدواء، وتنتظم معه حركة العمل والاستثمار، ويعيش الإنسان حياته من دون أن يدفع ثمن اضطرابات لم يصنعها؟ فغاية الأمن، مهما اتسعت ترتيباته وتعقدت أدواته، أن يحفظ للإنسان قدرته على أن يعيش يومه مطمئنًا، وأن ينظر إلى غده بثقة.
بدأت الحكاية السعودية الحديثة بأمن وحّد المكان وأعاد للإنسان ثقته بالطريق. ثم اتسع معنى الأمن حتى أصبح طمأنينة في تفاصيل الحياة، وثقة بين المجتمع ومؤسساته، وأساسًا يقوم عليه التحول الاقتصادي والاجتماعي. واليوم يمضي هذا المسار أبعد؛ من أمن تصنعه الدولة داخل حدودها إلى قوة توظفها مع شركائها لحماية مصالح تتقاطع فيها حياة الدول ومستقبلها.
وخلال أيام قليلة قدّم التحالف البحري واتفاقية مكة صورتين لهذا التحول. في الأولى تقود المملكة تعاونًا لحماية ممرات يعتمد عليها العالم، وفي الثانية ترتبط مع تركيا وباكستان بالتزام دفاعي يجعل الاعتداء على أحد الأطراف شأنًا يعني الأطراف الثلاثة. وبين حماية الممر وردع العدوان، يتحول معنى القوة من امتلاك القدرة إلى حسن توظيفها، ومن حماية المصلحة منفردة إلى بناء شراكات تجعل استقرارها مصلحة مشتركة.
وهذا المعنى يتصل مباشرة بالمشروع القيادي لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ فمقومات المملكة لا تُقرأ بما تمنحه من مكانة فقط، وإنما بما يمكن أن تصنعه حين تُوظف معًا. الموقع يصل المملكة بالعالم، والثقل الاقتصادي يعمق الشراكات، والحضور السياسي يجمع مصالح قد تختلف في تفاصيلها، لكنها تلتقي حين يصبح الاستقرار مصلحة مشتركة.
هكذا تنتقل «هندسة الطمأنينة» من وصف للأمن الذي يعيشه الإنسان في الداخل إلى فلسفة أوسع في بناء الأمن من حوله. فالمملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، لا تكتفي بصون أمنها، بل توظف مكانتها وشراكاتها في الإسهام في بناء محيط أكثر استقرارًا، إدراكًا منها أن التنمية التي تتقدم في الداخل تحتاج إلى فضاء إقليمي يحمي استمرارها ويعزز فرصها.
ومن أمن التأسيس إلى «هندسة الطمأنينة»، ومن رسوخ الداخل إلى الإسهام في استقرار المحيط، تمضي المملكة بثقلها ومكانتها نحو أمن تتسع معه فرص التنمية، وتترسخ فيه المصالح المشتركة.
الأمن، مثل المستقبل، لا يُنتظر.. بل يُبنى.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي