د. أماني بنت خلف الغامدي
لم تكن القمة التاريخية التي استضافتها مكة المكرمة في السابع من أغسطس مجرد لقاء مألوف بين قادة ثلاث قوى محورية كبرى في المنطقة؛ بل كانت لحظة فارقة في صياغة مفهوم الأمن الإقليمي. ويأتي توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية ليضعنا أمام تحول إستراتيجي عميق يتجاوز حدود التفاهمات الثنائية التقليدية إلى إرساء قاعدة جديدة للردع الجماعي. وتأتي هذه الاتفاقية بنصها الواضح على أن «أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع»، لتعيد إلى الأذهان فلسفة الدفاع الجماعي الشبيهة بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكن بروح وتطلعات إقليمية خالصة تهدف إلى حماية الاستقرار وصياغة مستقبل آمن للمنطقة.
كما تعكس الاتفاقية تحوّلا إستراتيجيا من الحماية إلى الردع الذاتي وتتجلى القيمة المحورية لهذا التحالف في كونه يأتي في ظل نظام دولي يتشكل من جديد؛ عالم لم تعد فيه الضمانات الأمنية تُستورد جاهزة من خارج الإقليم، بل أضحت تُصنع بأيدي دوله المهمة والقوية. وفي وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مدى إمكانية الاعتماد المطلق على الشراكات العابرة للقارات، تمثل «اتفاقية مكة» طبقة حماية إضافية تمنح العواصم الثلاث قوة أكبر من الردع المباشر المرتكز على قوة التأثير الجغرافي والعسكري. ويكمن الذكاء التنظيمي في هذه الخطوة في أنها لا تستبدل التحالفات القائمة ولا تلغي الشراكات الإستراتيجية الدولية أو الأطر الإقليمية كـ مجلس التعاون الخليجي، بل تُضيف إليها مرونة عالية عبر نموذج التحالفات المتداخلة الذي بات سمة أساسية في الهندسة الأمنية الحديثة.
ولا شك أن في تكامل المزايا النسبية بين أضلاع مثلث القوى الاقليمي الجديد بين السعودية وتركيا وباكستان من حيث القوة، والتقنية، والردع تكمن القوة الحقيقية لـ»اتفاقية مكة» في أنها لا تجمع دولًا تتشابه في مقدراتها وقوتها فقط، بل تتكامل في أدوارها؛ حيث يمتلك هذا المثلث الدفاعي عناصر قوة فريدة فالمملكة العربية السعودية تشكل الثقل المالي والاستثماري، الموقّع الإستراتيجي، والتوجه نحو توطين الصناعات العسكرية ضمن رؤية 2030. وتأتي جمهورية تركيا وهي الممتلكة لصناعات دفاعية متطورة، وخبرات عالية في التقنيات الحديثة كالطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع، إلى جانب كونها عضوًا فاعلًا في حلف الناتو. ويكتمل مثلث الاتفاقية في جمهورية باكستان الإسلامية حيث القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، والتي تمتلك خبرات قتالية ومهارات عسكرية واسعة وممتدة. ولا شك أن هذا التكامل يفتح الباب واسعًا أمام تقليل كلفة التسليح، وتوحيد منصات التدريب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، فضلًا عن بناء شراكات تصنيعية تعزز من الاعتماد على الذات وتخدم المحتوى المحلي للدول الثلاث.
ان هذا التحالف المهم في هذه الألفية هو أهم رسالة ردع واستقرار لا تكتل طائفي. ومن المهم بمكان قراءة الأبعاد السياسية الواضحة التي حرصت الرياض وأنقرة وإسلام أباد على تأكيدها؛ فالاتفاقية -كما أعلنت الدبلوماسية السعودية- ليست توجهًا نحو بناء محاور موجهة ضد أحد، ولا تكتلًا طائفيًا أو مذهبيًا، بل إنها بالدرجة الأولى رسالة ردع للحد من سوء التقدير في بيئة إقليمية شهدت اضطرابات متزايدة، وآلية لرفع مستوى التنسيق لمواجهة التحديات المشتركة برؤية موحدة وقواعد معلنة.
ويبدو أن هذه الاتفاقية ذات بعد استشرافي يسير نحو منظومة أمنية مرنة. فعلى الرغم من بعض التحديات الميدانية المتوقعة والمتمثلة في توحيد آليات الاستجابة السريعة وإدارة التنسيق على أعلى مستوى، إلا أن وجود الإرادة السياسية الصريحة والداعمة من قيادات الدول الثلاث يمنح هذه المنظومة زَخمًا استثنائيًا. ولعل فتح الباب أمام إمكانية انضمام دول إقليمية أخرى في المستقبل يؤكد بأننا لسنا أمام حلف مغلق، بل أمام نواة أولى لمنظومة أمن إسلامية وإقليمية أكثر شمولًا وموضوعية.
خلاصة القول: تُثبت اتفاقية مكة للدفاع المشترك أن دول المنطقة باتت تحظى بنضج إستراتيجي يُمكّنها من إدارة أمنها بنفسها. وهي خطوة تأسيسية نحو واقع جديد لا يعتمد فيه العالم الإسلامي على أطراف خارجية لحماية مكتسباته، بل يبني استقراره على مبادئ التضامن الأخوي، والمصالح التنموية، والتكامل العسكري الرصين.