صالح الشادي
ما الحياة إلا رهان كوني قائم على ثنائية الأخذ والعطاء، فهي دورة أزلية لا تقف، وكينونة متجسدة في كل ذرة من ذرات الوجود؛ فالشمس تعطي الضوء فتأخذ الدفء، والبحر يعطي البخار فيأخذ المطر، والتربة تعطي الثمر فتأخذ البذور. إنه قانون التوازن الإلهي الذي لو اختل لانهار نظام الممالك كلها، هذا القانون الذي يرفض أن يكون الإنسان واقفاً على هامشه، بل يفرض عليه أن يكون جزءاً فاعلاً فيه، يأخذ ليعطي، ويعطي ليأخذ، وإلا كان خللاً في جبلة الكون، وانفصاماً في صميم الفطرة.
لقد أذن لنا بالسير في الأرض، وأمرنا بالمشي في مناكبها، والمناكب هي الشماريخ والطرق الوعرة، أي أنه لم يدعنا إلى وقفة تأملية ساكنة، بل إلى حركة اجتياحية تتصالح مع جسارة الأرض ووعورتها. فالسير في المناكب يعني أن تتعامل مع الطبيعة ككائن حي ذي أكتاف تحملك، ولكن بشرط أن تحمل أنت وطأة الخطو عليها؛ فكل خطوة تترك أثراً، وكل أثر هو عطاء للطريق، تماماً كما تأخذ الأرض منك جهدك وجسدك، وتمنحك في المقابل سعة الأفق ورحابة الملكوت. من ظن أنه يستطيع أن يمشي على صدر الحياة دون أن يرد لها الجميل، فقد أخطأ في فهم جوهر الخلافة، فالإنسان لم يُستخلف في الأرض ليستهلك خراجها دون ضرائب، بل ليُعمرها بجهده، ويزكيها بعرقه، ويضاعف خيرها بعطائه.
وفي المنحى الروحي، تظهر هذه الثنائية بأجلى صورها بين العبد وربه، حيث الصحة ليست ملكاً لصاحبها، بل وديعة وإيداعاً؛ فمن يأخذ العافية دون أن يؤدي شكرها، أو ينفقها في طاعة خالقها، يكون كمن يستعير رداءً ثم يجعله بالياً. المناجاة والصلاة، والسجود الذي يلامس جبهته التراب، ليس طلباً فحسب، بل هو عطاء روحي للذات الإلهية، إقرار بالحاجة واعتراف بالقصور، وهذا العطاء هو وحده الكفيل بتجديد الأخذ، فكل نفس تأخذه، لا بد أن يتبعه نفس من التسبيح والذكر، وإلا جفّت ينابيع الطاقة ووهنت قوى البدن التي خلقت لتعبد وتشكر.
وأما على صعيد الأسرة، فالأمر ليس أقل إلزاماً؛ فالزوجة ليست متاعاً يؤخذ، والزوج ليس عموداً يُستند عليه بلا مقابل، بل هما في أسمى تجلياتهما، سكنٌ متبادل وغطاءٌ متداخل، كما ورد في صفة المودة والرحمة. فمن يأخذ الأمن والهدوء من حضن الآخر، لا بد أن يبذل الأمان والطمأنينة في مقابل، لأن الحياة الزوجية تجارة لا تقبل الإفلاس، رأس مالها العطاء، وأرباحها الأخذ. والأبناء ليسوا زينة تُلتقط صورها، بل أمانة تُغرس وتُسقى، فمن يأخذ براءتهم وحبهم الفطري، لا بد أن يمنحهم وقته وعمق انتباهه وتضحية وجوده، فالتربية عطاء مستمر لا ينقطع، حتى في ساعات الصمت والسكون.
وفي سوق التجارة وصرير العمل، يتجلى المعنى الأكثر حدة؛ فالربح لا يأتي من العدم، والمكسب الحقيقي يقوم على العدل الموزون، فمن يكتفي بالأخذ دون تقديم قيمة، فهو محتكر للهواء، ومن يبخل بجودة صنعته، يخسر ثقة الناس، وهو خسران مبين. التجارة الناجحة هي التي تخلق توازناً بين ما تأخذه من مال، وما تمنحه من جهد وإتقان، وبين ما تناله من ثناء، وما تذيعه من أمانة. حتى في السياسات الاقتصادية الكبرى، نجد أن الدول التي تعطي شعوبها عدلاً واستقراراً، هي التي تأخذ منهم إخلاصاً وإنتاجاً، بينما تنهار الأمم التي تسوم رعاياها ظلماً، فتعجز عن أخذ أي شيء سوى الغضب والثورات.
إن الحكمة العميقة في هذا القانون الرباني أنه يحررنا من وهم المركزية، ويدفعنا إلى فهم الوجود كشبكة مترابطة، كل خيط فيها يأخذ قوته من شد العطاء. الإخلاص في العمل عطاء، والصدق في الحديث عطاء، وحتى البسمة في وجه الآخر هي عطاء يزيح عنك هموم الأخذ. من يستعصم بتوهم الاكتفاء الذاتي، ويظن أنه يستطيع أن يعيش كالجزيرة المنعزلة، يكتشف يوماً أن مدده قد انقطعت، وأنه يموت بالبطء نفسه الذي كان يظن أنه يعيش به مستقراً. الموت الأكبر ليس أن يتوقف القلب عن الخفقان، بل أن يتوقف الإنسان عن أن يكون وعاءً يعطي ما فيه ويأخذ ما عند الناس، لأن الحياة في فلسفتها الأعمق ليست حالة ساكنة، بل هي فعل ورد فعل، زفير وشهيق، خذ وهات.
فامشِ إذاً في مناكب الأرض واعلم أن كل ما في يديك اليوم هو أمانة ستُسأل عنها، ليس عن ملكيتها، بل عن كيفية إنفاقها. العطاء ليس نقصاً في الرصيد، بل هو استثمار في عوالم أخرى، وبذرة تغرسها في تربة الغد، ولا تخشَ النضوب لأن الخزائن الإلهية لا تنفد، ولكنها لا تفيض إلا على من جعل من يده ميزاناً، ومن قلبه معياراً، فأخذ بالقصد، وأعطى بالفضل، وعاش حياته متناغماً مع نبض الكائنات كلها. حين تدرك هذا، تكون قد فهمت سر الوجود، وحين تطبقه، تكون قد بلغت غاية الرشد، وحين ترقى به، تكون قد اقتربت من صفات العلي الأعلى الذي يعطي بلا حدود، ويأخذ بالحكمة، ويبقى هو وحده الغني عن العالمين، ونحن العباد المحتاجون إلى هذه المعادلة الأبدية لنظل أوفياء لهذه الأرض، وأوفياء لأنفسنا.