اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان
إن ما أنعم الله به على المملكة من الثروات الطبيعية والمزايا المكانية جعلها أكثر قدرة على تحقيق عناصر القوة الوطنية بما يخدم الانتماءات الدينية والوطنية والقومية، ويعود بالفائدة على الوطن والمواطنين في بيئة تنعم بالأمن ويسودها الاستقرار والازدهار والاستمرار على المستوى الداخلي مع الانسجام السياسي والتكامل الاقتصادي والعلاقات المعتدلة والمتوازنة على المستوى الخارجي.
قوة المملكة لا تقاس بالأقوال المجردة عن الأفعال، ولا يحكم عليها من خلال الشعارات المختلقة بل تقاس بالإنجازات الموثقة والثبات على المواقف بالشكل الذي يجسد هيبة الدولة ويعزز مكانتها الإقليمية والدولية.
والمنجزات المنجزة والحوافز المحفزة تقف شاهدة على استتباب أمن المملكة واستقرارها ونموها وتطورها ومواصلة مسيرتها بثقة وعزم وتصميم، مثبتةً مع مرور الأيام أن السيادة والهيبة ليست شعارات ومساومات، بل مسؤولية تصان بالفعل والعمل، والقول فيها مرهون بالعلم والفعل مقرون بالعقل.
المملكة ذات مركز ديني وموقع إستراتيجي وثقل اقتصادي ووزن سياسي ودور قيادي، الأمر الذي أتاح لها المجال في ظل قيادتها الحكيمة بناء مشروع إستراتيجي طويل المدى ومتعدد الأبعاد والمصادر، يتم عن طريقه النهوض بالمجتمع وتوسيع قاعدة الهوية الثقافية والعمل على إيجاد اقتصاد يعتمد على مصادر إنتاجية متعددة وتطوير السياسة الخارجية عبر مشروع يحمي المصالح الوطنية ويثبت وجوده في المحافل الدولية، ويدعو إلى التهدئة ونبذ الخلافات وإحلال السلام محل الصدام.
وقد دأب قادة المملكة منذ تأسيسها على الصعود التدريجي إلى القمة والعمل بصمت والتحرك بحذر، متخذين من الحكمة والعزم والحزم سلماً يجري الصعود عليه للوصول إلى القرار الصحيح الذي يقود إلى النجاح في جميع المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية من أجل تثبيت أركان الدولة ومؤسساتها والقيام بالإصلاحات الإدارية والاجتماعية والتعليمية التي تستند إلى أسس عملية من القانون والنظام.
وقد ترتب على ما سبق ضمان الاستقرار في الداخل والمحافظة على توازن القوة وتماسكها في المحيط الخليجي والعربي مع الحرص على قوة النفوذ وجعله أكثر استدامة واكتساب السيادة والهيبة دون الدخول في منازعات وصراعات تهدد الاقتصاد والمكتسبات الوطنية والمصالح الحيوية.
وبعد أن تسنم الملك سلمان السلطة أصبحت المملكة على درجة عالية من إثبات الحضور في المحافل الدولية واستطاعت الانتقال من الحضور الإقليمي الثابت إلى الدور الدولي الفاعل، وما يعنيه ذلك من رسم ملامح الغد وتوافر القدرة على إدارة الملفات الإقليمية والدولية وضبط موازين القوة في المنطقة.
وبفضل رؤية ولي العهد انتقلت الدولة من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل وأحدثت الكثير من التحولات التي ظهرت نتائجها بوضوح على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
هذه التحولات ونتائجها لم تكن استجابة لظروف معينة بقدر ما تمثل منهجاً شاملاً وعملاً متكاملاً يعكس قوة تأثير الدولة وإعادة صياغة عميقة لدورها القيادي ووزنها السياسي وثقلها الاقتصادي في المحيط الإقليمي والدولي.
والواقع أن مشروع الرؤية يجسد مشروعاً مستقبليا يتسم بالشمولية تتحول على أساسه الدولة إلى نموذج يحتذى به في الحوكمة والاقتصاد والاستمرارية، نظراً لأنه يجمع بين الجرأة المحسوبة والحكمة المطلوبة وبين التطلع إلى المستقبل والحسابات الواقعية، ليجعل من المملكة صوتاً مسموعاً في الساحة الدولية وحكماً عادلاً في النزاعات الإقليمية ومرجعاً يرجع إليه في القضايا العربية والإسلامية.
ومن الواضح أن تحولات المرحلة الحالية مكنت الدولة من اتخاذ قرارات لحماية مصالحها الوطنية والربط بين الهوية الوطنية والتنمية الاقتصادية والإصلاح الاجتماعي والاستقرار السياسي، كما أفسحت لها المجال للاطلاع على الوضع الإقليمي والدولي والقيام بدور محوري يؤثر على مسار الأحداث واتجاهاتها.
من هذا المنطلق فإن المملكة في عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان تعمل على إثبات وجودها بوصفها قوة محسوبة ذات مسؤولية وعلى دراية تامة بأن العالم من حولها لا يحتاج إلى مزيد من الاضطراب والاحتراب، وإنما يحتاج إلى من يمتلك القدرة على التهدئة ولديه الحكمة لسلوك الطريق المستقيم والمسك بالخيط الرفيع بين المصالح والصراعات، مما يؤكد أن الدور السعودي لم يعد إضافة هامشية إلى المشهد بل أصبح أحد عناصر توازنه الممكنة في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل.
وإذا كانت هوية الدولة وموروثها التاريخي وانتماءاتها الدينية والثقافية واهتماماتها العلمية والأعراف والتقاليد المرعية هي أحد عناصر قوتها الوطنية، فإن رؤية 2030 وما نتج عنها من تحولات وأحدثته من تغييرات لم يكن ذلك على حساب هذا العنصر، حيث إن الرؤية طرحت ثمارها وتحقق بموجبها معادلة متوازنة بين الإصالة والمعاصرة ترتب عليها الكثير من الإنجازات التنموية والبنى التحتية على هيئة المزج بين القديم والحديث بطريقة أعادت تشكيل واقع اجتماعي يحترم التقاليد المحمودة والأعراف الموجودة، مع إمكانية إعادة تشكيلها وتأويلها بما يضمن لها البقاء دون أن تقف حجر عثرة على طريق المستقبل.
وقد حظي التحول الاقتصادي باهتمام بالغ باعتبار الاقتصاد أحد عناصر القوة الوطنية وهو المسار الذي يتحكم في مسارات التغيير؛ نظراً لكونه يحدد وزن الدولة ويصنع مستقبلها ويضمن لها مقعداً ثابتاً في المعترك الدولي، ويضع العناصر الأخرى على المحك الفعلي، ويُخرج الدولة من كونها دولة ريعية مرهونة لتقلبات أسعار النفط إلى دولة ذات مصادر دخل متنوعة.