مرفت بخاري
ليس كل من صمت عاجزًا عن الكلام، وليس كل من تكلم امتلك ما يستحق أن يُقال، ثمة صمتٌ يشبه الانحناء، وصمتٌ يشبه الكبرياء، وبينهما مسافة لا يعرفها إلا من تعلّم أن للكلمة ثمنًا، وأن بعض المواقف إذا دخلها اللسان أفسدها، وإذا تركها الصمت أنصفها.
ولعلنا لو قلبنا صفحات التاريخ طويلًا، لوجدنا أن الصمت لم يكن دائمًا موقف المتراجع، بل كان في مواضع كثيرة موقف الواثق الذي لم يجد نفسه مضطرًا إلى أن يقف في منتصف الطريق ليشرح للمارّة إلى أين يمضي.
وفي قصص الأنبياء والصالحين، تتكرر تلك اللحظة التي يصبح فيها الامتناع عن الكلام جزءًا من الحكمة، بل جزءًا من النجاة أحيانًا. كانت مريم - عليها السلام - في واحدة من أقسى لحظات حياتها، تحمل طفلها وتعود إلى قومها، وهي تعرف أن العيون ستسأل، والألسنة ستتهم، والمجالس ستشتعل بالقول، ومع ذلك، لم تدخل في جدال طويل، ولم تمنح نفسها مهمة الدفاع عن كل ما سيقال، بل أشارت إلى طفلها، وتركت الحقيقة تتولى بقية الحديث، فجاء الجواب من حيث لم يكن أحد يتوقعه، من طفل في المهد.
وهنا لا أستطيع أن أتجاوز ذلك المشهد دون أن أسأل نفسي، كم مرة أفسدنا حقائقنا لأننا استعجلنا الدفاع عنها؟ وكم مرة خسر الإنسان شيئًا من مكانته لأنه شعر أن عليه أن يشرح نفسه لكل أحد، وأن يرد على كل أحد، وأن يثبت براءته أمام كل أحد؟ ربما لأننا تربينا على أن السكوت خسارة، وأن من لا يرد يُهزم، وأن من لا يشرح موقفه سيأخذ الناس عنه ما يشاؤون، بينما تخبرنا الحياة، قبل الكتب، أن بعض الصمت ليس هزيمة، بعض الصمت درجة يصعد بها الإنسان فوق الاستفزاز، وفوق الحاجة إلى التبرير، وفوق رغبة الانتصار في كل حديث.
والأجمل أن القرآن لم يجعل الصمت دائمًا مجرد موقف اجتماعي، ففي قصة زكريا - عليه السلام - أصبح الصمت علامة وآية، حين طلب من ربه أن يجعل له آية، فجعل آيته ألا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا، وأن ينصرف إلى ذكر ربه. وكأن في الأمر رسالة تتجاوز القصتين، مفادها بأن الإنسان لا يقاس فقط بما يقوله، وإنما بما يستطيع أن يمنع نفسه من قوله.
ومن هنا تبدأ الحكاية التي أريد أن أتوقف عندها، لماذا كان الصمت عبر التاريخ يرفع قدر بعض الناس، بينما أصبح اليوم عند كثيرين علامة ضعف؟ ولماذا أصبحنا نعيش في مجتمع يستطيع فيه الإنسان أن يخسر مكانته بكلمة، أكثر مما يستطيع أن يرفعها بعشرات الكلمات؟ ربما لأننا نسينا فنًا قديمًا اسمه الصمت، ذلك الفن الذي لا يعني الغموض دائمًا، ولا يعني العجز، بل قد يكون في أحيان كثيرة صورة من صور الوعي، وضبط النفس، ومعرفة قيمة المقام والكلمة.
كان الصمت دائمًا سلاحي في مواجهات الظلم والخيبة والدمار الذي واجهته في مواقف حياتي، ولم يكن صمتي يومًا ضعفًا كما يعتقد البعض، بل كان حكمة أغلقتها بالخذلان، ورفعتها بسقف عالٍ من الوفاء لمن كان لهم حق عليّ، ثم رأيت ذلك الحق يُبدد بامتياز. لم أكن عاجزة عن الكلام، كنت أعرف فقط أن بعض الكلام حين يخرج لا يعيد شيئًا، وأن بعض المعارك حين ندخلها نخسر من أنفسنا أكثر مما نربح من خصومنا.
كنت أصمت لأنني أعرف أن الأيام أقدر من الشرح، وأن المواقف أصدق من التبرير، وأن الإنسان حين يحفظ لسانه عن كثير من الكلام يحفظ معه شيئًا من هيبته، وشيئًا من كرامته، وشيئًا من صورته التي لا يستطيع أن يستعيدها إذا بعثرها في كل مجلس.
واليوم، حتى صمتي لم يعد صمتًا بالمعنى الذي يعرفه الناس، فأنا أكتب، وهم يقرأون، وأقول ما أريد دون أن أرفع صوتي، وأترك مقالاتي تذهب إلى من يعنيه الأمر، وإلى من لا يعنيه، دون أن أشرح لمن أقصد، ولا أن أذكر من أعني. أصبحت مقالاتي صوتي، وبوحي المنتظر، والمساحة التي أضع فيها ما عجز الصمت عن حمله، وما رفضت في الوقت نفسه أن أحمله إلى مجالس الكلام.
ولذلك، لم يعد الصمت عندي غيابًا عن المشهد، بل حضورًا من نوع آخر، حضور من يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترك الأيام تقول ما عجزت الكلمات عن قوله.
فليس كل صامت خائفًا، وليس كل متحدث شجاعًا، أحيانًا يكون الصمت هو أعلى درجات الكلام، حين يعرف الإنسان أن كرامته أكبر من أن يشرحها، وأن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى محامٍ، وأن بعض الأشياء حين نصمت عنها لا تموت، بل تنضج حتى يأتي وقتها، أو يأتي وقت لا نعود فيه بحاجة إليها أصلًا.