د.عبدالرحيم محمود جاموس
لم يعد الشرق الأوسط يحتمَّل حربًا جديدة، ولا جولة أخرى من الصراع المفتوح، ولا استمرارًا لمنطق القوة الذي أثبت، على مدى عقود، عجزه عن إنتاج سلام مستدام.
لقد دفعت شعوب المنطقة ثمنًا باهظًا من دمائها وأمنها واستقرارها وتنميتها. مدن دُمّرت، ودول أنهكتها الحروب، وملايين البشر عاشوا النزوح والفقد والخوف، فيما استُنزفت موارد هائلة كان يمكن أن تُستثمر في بناء الإنسان والمستقبل.
لهذا لم تعد الدعوة إلى السلام مجرد خيار أخلاقي أو أمنية سياسية؛ إنها ضرورة تاريخية وإستراتيجية تفرضها مصالح شعوب المنطقة ومستقبل دولها.
لكن السلام الذي تحتاج إليه المنطقة ليس مجرد وقف لإطلاق النار، ولا هدنة بين حربين، ولا تسوية مؤقتة تتيح للأطراف إعادة ترتيب قدراتها استعدادًا لمواجهة جديدة. فالهدنة قد توقف صوت المدافع، لكنها لا تعالج الأسباب التي أشعلت الحرب.
السلام الحقيقي هو الذي يعالج جذور الصراع، ويضمن الحقوق، ويوفر الأمن للجميع، ويؤسس لعلاقات جديدة تقوم على القانون والتعاون والمصالح المشتركة.
لقد أثبتت التجارب أن القوة يمكن أن تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع شرعية دائمة أو أمنًا مستقرًا.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام المنطقة ليس تحقيق انتصار عسكري جديد، وإنما امتلاك شجاعة الانتقال من إدارة الأزمات إلى حلها، ومن إدارة الحروب إلى صناعة السلام.
وهذا يتطلب إرادة سياسية تعترف بأن أمن أي دولة في المنطقة لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة على حساب أمن دولة أخرى، وأن الاستقرار لا يقوم على إخضاع الشعوب، بل على احترام سيادتها وحقوقها ومصالحها.
إن الأمن المستدام لا يعني غياب التهديدات فحسب، وإنما يعني كذلك وجود بيئة سياسية واقتصادية وقانونية تجعل الحرب أقل احتمالًا والسلام أكثر قابلية للحياة.
وتبقى القضية الفلسطينية الاختبار الأهم لجدية أي مشروع للسلام في الشرق الأوسط.
فلا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر بينما يبقى شعب بأكمله محروم من حقه في الحرية وتقرير المصير والاستقلال، ويستمر الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض والحقوق.
إن القضية الفلسطينية ليست قضية ثنائية معزولة عن محيطها؛ فقد أصبح واضحًا أن استمرارها من دون حل عادل يغذِّي التوتر وعدم الاستقرار، ويُبقي المنطقة مفتوحة على دورات متكررة من العنف.
ومن هنا فإن إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على أساس قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، مع ضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني والأمن لجميع شعوب المنطقة، يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من أي منظومة إقليمية للسلام.
فالسلام الذي يستثني العدالة الفلسطينية سيبقى سلامًا ناقصًا، والأمن الذي يقوم على حرمان شعب من حقوقه سيظل أمنًا هشًا.
والشرق الأوسط ليس فقيرًا بالموارد ولا بالطاقات البشرية، وإنما يعاني من سوء توظيف إمكاناته في ظل الصراعات والتنافس الجيوسياسي.
وما تحتاجه المنطقة ليس المزيد من سباقات التسلح، بل سباقًا نحو التنمية؛ وليس المزيد من الجدران والحواجز، بل شبكات للتعاون الاقتصادي؛ وليس المزيد من ساحات المواجهة، بل فضاءات للحوار والتكامل.
إن تحويل جزء من الموارد التي تُهدر في الحروب إلى التعليم والصحة والبنية التحتية والتكنولوجيا وإعادة الإعمار، كفيل بأن يفتح أمام شعوب المنطقة مستقبلًا مختلفًا تمامًا.
غير أن السلام لا يُبنى بالنوايا وحدها، ولا بالبيانات السياسية.
إنه يحتاج إلى اتفاقات واضحة، وضمانات دولية وإقليمية، وآليات تنفيذ ومراقبة، ومعالجة للقضايا العالقة، وإعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحروب، وفتح آفاق اقتصادية جديدة أمام الشعوب.
كما يحتاج إلى بناء الثقة تدريجيًا، وإلى الاعتراف بأن المصالح المشتركة يمكن أن تكون أقوى من صراعات الماضي.
وهنا يمكن للدول العربية والإقليمية والقوى الدولية المؤثرة أن تضطلع بدور تاريخي في بناء إطار جديد للأمن والتعاون الإقليمي، يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وحل النزاعات بالوسائل السياسية والقانونية، وربط الأمن بالتنمية والاستقرار.
لقد أثبتت الحروب ما يكفي من الحقائق.
لا يوجد انتصار قادر على محو آثار الدمار، ولا قوة تستطيع إلى الأبد إلغاء حقوق الشعوب، ولا جدار يستطيع أن يحجب الخوف أو يصنع سلامًا دائمًا.
ولهذا فإن السلام ليس تنازلًا عن الحقوق، ولا استسلامًا للأمر الواقع، ولا مساواة بين المعتدي والضحية. السلام العادل هو الإطار الذي تُصان فيه الحقوق بالقانون، وتتحول فيه التطلعات الوطنية إلى واقع سياسي، ويصبح الأمن حقًا مشتركًا لا امتيازًا لطرف على حساب آخر.
والسلام الذي نريده للشرق الأوسط ليس سلام الغلبة، بل سلامًا يقوم على العدالة والكرامة والاعتراف المتبادل والمصالح المشتركة.
إن شعوب المنطقة تستحق فرصة للحياة بعد عقود من الخوف والدمار.
تستحق أن ترى في السياسة طريقًا إلى المستقبل لا امتدادًا للحرب، وأن تتحول مواردها من تمويل الصراع إلى بناء الإنسان، وأن ينشأ أبناؤها في مدارس وجامعات ومصانع ومؤسسات، لا في الملاجئ ومخيمات النزوح.
لقد آن الأوان فعلًا لأن تتوقف الحروب، وأن تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الشرق الأوسط؛ مرحلة يصبح فيها السلام مشروعًا سياسيًا وإستراتيجيًا.
فلا أمن دائمًا من دون عدالة، ولا سلام حقيقيًا من دون حقوق، ولا استقرارًا مستدامًا من دون تنمية.
إن صناعة السلام اليوم ليست ترفًا سياسيًا.
إنها مسؤولية تاريخية، وضرورة إنسانية، ومصلحة مشتركة لجميع شعوب المنطقة.