د.عبدالرحمن الحبيب
كأن العالم يعيد اكتشاف هيمنة الجغرافيا مستيقظاً على كابوس المضائق البحرية بعد أن اطمأن للعولمة التي دمجت أسواق العالم في سلسلة تجارية متصلة قائمة على الاحتياجات الاقتصادية بغض النظر عن الموقع. ها قد عادت الجغرافيا لتتبوأ مكانة محورية على الساحة السياسية والاقتصادية، لتذكرنا بسطوتها على طرق التجارة والتبادلات بين الدول.
يمر حوالي 90 % من البضائع المتداولة عالمياً عبر البحر، فتصور العواقب الاقتصادية لحروب تعطل الممرات البحرية. إنما تلك الاضطرابات قديمة قبل أن تفرض بريطانيا والولايات المتحدة حياد الممرات المائية العالمية الرئيسية في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كما كتب لوسيان ستايانو دانيلز موضحاً أنه ما لم يُعالَج فشل ترامب في مضيق هرمز، فستعود الممرات المائية في العالم لتصبح ساحات صراع عنيف، كما كانت عليه تاريخياً.
دانيلز الباحث بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد ومؤلف كتاب «شعب الحرب: تاريخ اجتماعي للجنود العاديين خلال حقبة حرب الثلاثين عامًا»، (جامعة كامبريدج)، يستشهد بمثالين: مضيق الدردنيل، بين شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود؛ ومضيق أوريسند المؤدي إلى بحر البلطيق. يُجسّد المثال الأول كيف يمكن للسيطرة على الجغرافيا أن تجعل حتى أضعف قوة عاملاً حيوياً في صنع القرار الدولي. أما المثال الثاني فيُبين المكاسب المالية للسيطرة على ممر ملاحي حيوي، وهو ما يُصبح مُقلقاً عند تطبيقه على الحرس الثوري الإيراني وسيطرته على مضيق هرمز.
فُتحت المضائق التركية ومضيق أوريسند وغيرهما من الممرات المائية للملاحة والتجارة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بفعل الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة. وحتى هذا العام، كان تأمين الولايات المتحدة للتجارة الدولية هو أساس عمل العالم، حسب دانيلز مشيراً إلى أن ترامب (عبر القصف الأمريكي) أضاع هذا الأساس دون أي مكسب، حتى من أجل السلام.
ويختم دانيلز مقاله محذراً أنه مع الميول الحربية لهذا العالم، من المرجح أن تتذكر كل قوة تطل على ممر ملاحي مهم أنها تملك نفوذًا محتملًا على الاقتصاد العالمي، وستتصرف وفقًا لذلك في نهاية المطاف (فورين بوليسي).
«لقد تغيَّرت السيطرة على الممرات المائية بشكل جذري» في أعقاب أزمة هرمز، وفقاً لما قاله كريستيان بوغر، أستاذ بجامعة كوبنهاغن ومؤلف كتاب «فهم الأمن البحري»، مضيفاً: «لم يعد بالإمكان ضمان حرية الملاحة باستخدام السفن الحربية.»
وكان التصريح الأبرز من وزير خارجية سنغافورة، فيفيان بالاكريشنان: «إذا اندلعت الحرب في المحيط الهادئ، فإن ما نشهده الآن في مضيق هرمز ليس إلا بروفة». مشيراً بذلك إلى مضيق ملقا وهو ممر مائي أطول بخمس مرات وأضيق بعشر مرات من مضيق هرمز في أضيق نقطة فيه، ويقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويمثِّل أحد أهم الممرات البحرية الإستراتيجية في العالم، لأنه يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، ويستوعب أكثر من 60 ألف سفينة سنويًا، ما يُمثِّل نحو 25 % من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك حوالي 80 % من واردات الصين من النفط الخام.
إضافة لزعزعة الثقة بمضيق هرمز شكل غزو روسيا لأوكرانيا والتزام الاتحاد الأوروبي بالتخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي صدمة، كما كتب المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول: «اعتقد الكثيرون منا أن تجارة الطاقة تخضع بالمقام الأول للضرورات الاقتصادية. لكن اليوم، أصبحت تجارة الطاقة والسلع الأخرى أدوات جيوسياسية، تُمثّل ميزة إستراتيجية محتملة للبعض، ونقطة ضعف إستراتيجية محتملة للبعض الآخر».
بيرول يتوقع أن خريطة الطاقة العالمية تشهد: «إعادة تشكيل في الوقت الراهن. وسيُحدد مدى ثقة كل طرف في الآخر ملامح هذه الخريطة. ومن الواضح أننا جميعًا بدأنا ندفع ثمن العيش في عالم يفتقر إلى الثقة».