د. رانيا القرعاوي
تزامن وجودي في مكة المكرمة الجمعة الماضية مع توقيع «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. والمفارقة أنني لم أعرف أن المدينة تستضيف في ذلك اليوم حدثًا بهذا الثقل من شوارعها، فلم نواجه ازدحامًا استثنائيًا، ولم تتغير حركة المدينة من حولنا.
كانت مكة تمضي بإيقاعها المعتاد، بينما كان يُكتب في أحد قصورها اتفاق سيحمل اسمها إلى نشرات الأخبار والعواصم ومراكز الدراسات حول العالم.
ولكن بعد عودتي لاحظت أول الرسائل الإعلامية للاتفاق: مكة لم تكن مكان التوقيع فقط، بل كانت جزءًا من الرسالة.
فالأماكن، مثل الكلمات، تحمل معانيها وذاكرتها. وعندما يُمنح اتفاق سياسي اسم المكان الذي وُقّع فيه، يصبح المكان جزءًا من هويته؛ ولهذا بقيت أسماء مثل «كامب ديفيد» و«أوسلو» و«الطائف» حاضرة في الذاكرة السياسية بعد عقود، لا باعتبارها مواقع جغرافية فحسب، بل أسماء تختصر أحداثًا وتحولات سياسية كاملة.
لكن مكة تحمل رمزية أعمق في الوجدان الإسلامي. فكلنا نتذكر صلح الحديبية الذي عقد على مقربة منها قبل أربعة عشر قرنًا، والذي أثار تساؤلات بعض المسلمين، لكنه مهد لتحولات كبرى أعقبها فتح مكة بعد نحو عامين. حتى إن القرآن وصف الصلح بالفتح المبين.
ولا يعني ذلك مقارنة اتفاقين تفصل بينهما قرون وتختلف ظروفهما ومضامينهما، بقدر ما يذكرنا التاريخ بحقيقة مهمة: أن بعض الاتفاقات لا تكشف لحظة توقيعها عن كامل أثرها، وأن المكان قد يمنح الاتفاق معنى يبقى أطول من مراسمه.
وهنا تكتسب تسمية «اتفاق مكة» قيمة اتصالية تستحق الانتباه.
في التواصل الاستراتيجي، لا تكمن قوة الإعلام في نقل ما حدث فقط، بل في اختيار الإطار الذي سيفهم الجمهور الحدث من خلاله. وهذا ما تفسره نظرية التأطير Framing Theory؛ فالحدث الواحد يمكن أن يُقرأ بطرق مختلفة تبعًا لما تختار وسائل الإعلام إبرازه، وما تضعه في الخلفية، والأسئلة التي تجعلها محورًا للنقاش.
يمكن مثلًا تأطير «اتفاق مكة» باعتباره تحالفًا عسكريًا جديدًا، وعندها سيكون السؤال الذي يقود التغطية: ضد مَن هذا الاتفاق ويمكن تأطيره من زاوية أخرى: ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي تتجه إلى بناء إطار للتعاون والردع المشترك في مرحلة يعاد فيها تشكيل المشهد الأمني الإقليمي.
عندها يتغير السؤال من: ضد مَن؟ إلى: ماذا يمكن أن تبني هذه الدول معًا؟
وهنا تحديدًا يأتي دور الإعلام السنع.
فالفرصة الإعلامية ليست في إعادة نشر صورة التوقيع، ولا في وصف الاتفاق بـ«التاريخي» قبل أن يصنع التاريخ أثره، وإنما في تحويل اتفاق مكة من خبر إلى رواية ممتدة.
وهنا يمكن أن يتحول الاسم إلى مظلة اتصالية لكل ما ينتج عن الاتفاق مستقبلًا. عندما يُنفذ تمرين عسكري مشترك، فهو نتيجة من نتائج «اتفاق مكة». وعندما يبدأ مشروع صناعات عسكرية مشترك، فهو خطوة في مساره، وبهذه الطريقة لا تنتهي قصة الاتفاق بانتهاء مراسم توقيعه، بل تبدأ منها.
وهذا هو الفرق بين إعلام الحدث وإعلام الأثر. الأول يخبرنا بما حدث اليوم، أما الثاني فيربط النتائج ببعضها عبر الزمن، حتى تتشكل لدى الجمهور ذاكرة متراكمة للاتفاق وما أنتجه.
ولهذا لن يُقاس النجاح الإعلامي لـ«اتفاق مكة» بعدد الأخبار التي نُشرت يوم توقيعه، ولا بعدد المشاهدات التي حققتها مراسمه، بل بقدرته على بناء معنى وأثر يبقى بعد أن ينتهي الخبر.