د. طارق بن محمد بن حزام
«حسبناه جميلًا حتى اقتربنا منه، فبانت عيوبه، وظننّاه حكيمًا، فلما تكلم انكشف خواء فكره، وعددناه أصيلًا، فلما احتجناه ظهر معدنُه».
ليست المسافات البعيدة دائمًا دليلًا على جمال الصورة، كما أن القرب ليس سببًا في فسادها؛ وإنما هو اللحظة التي تنكشف فيها الحقائق، فما كان مستورًا بالبعد، تكشفه الأيام، وتظهره المواقف، وتختبره المخالطة.
فالإنسان ليس كائنًا كاملًا، بل مخلوقٌ يعتريه الضعف، وتتبدل أحواله، ويكشفه المال، والسلطة، والغضب، وسائر الابتلاءات. قال تعالى:
{وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا}.
وللنفس جوانب لا تظهر إلا عند المحن؛ فقد يظن الإنسان أنه يعرف نفسه، حتى تأتيه الشدائد فتبرز منها صفات لم يكن يدركها، من صبرٍ أو جزع، وحلمٍ أو غضب، وسماحةٍ أو أنانية. فالابتلاء مرآة النفوس، والمواقف هي التي تكشف معادن الرجال.
ومع ذلك، فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُحسُّ يُفصح عنه، فحين تقصر المسافات، لا تنكشف حقائق الآخرين فحسب، بل تنكشف أيضًا حقيقة الإنسان في طريقة تعامله مع ما يراه ويعلمه، فليس كل ما ينكشف يستحق أن يُذاع، ولا كل ما يُعرف ينبغي أن يُقال.
ومن هدي القرآن أن الصبر لا ينافي كتمان بعض الألم، وأن حفظ الكرامة لا يتعارض مع صدق المشاعر؛ فليس كل ما يضيق به القلب يُبث إلى الناس، ولا كل ما تعرفه النفس يكون الحديث عنه حكمة.
وتأمل كيف جسَّد القرآن هذه المعاني في مواقف خالدة؛ فقال تعالى عن يوسف عليه السلام:
{فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}، وقال عن يعقوب عليه السلام:
{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}، وقالت مريم عليها السلام:
{فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}. ففي الصمت أحيانًا حكمة، وفي كتمان بعض الألم عبادة، وليس كل وجعٍ يحتاج إلى شاهد.
فلا تُعرِّ هشاشة روحك لكل أحد؛ فمن أحبك قرأ صمتك قبل كلامك، وأدرك انكسارك من ملامح وجهك. أما من لا يحمل لك وُدًّا، فلن يفهمك، وإن فهمك فلن يعينك، وربما جعل أسرارك يومًا سلاحًا يؤذيك به عند أول خلاف.
ولعل أكثر ما يكشف حقيقة الإنسان دوامُ المخالطة؛ فالمصافحة الأولى قد تخدع، والمجالس العابرة قد تُعجب، أما الأيام فهي التي تُسقط الأقنعة. فشريك العمل لا يُعرف إلا عند اختلاف المصالح، والصديق لا يُختبر إلا عند الشدة، والقريب لا يظهر معدنه إلا عند الحاجة، فحين تقصر المسافات، تتوارى الصور المصنوعة، وتبقى الأخلاق وحدها شاهدةً على أصحابها.
ثم إن الناس لن يجتمعوا على أحد؛ سيُقال عنك ما ليس فيك، وسيُقال لك ما لا تحب، وسيُقال إنك فعلت ما لم تفعل، فلا تستنزف نفسك في طلب رضا الجميع، وخذ بوصية الله تعالى:
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.
ولأن الناس ليسوا سواء، فأحسن اختيار مواضع قلبك وكلماتك؛ امنح حديثك لمن يفهمك، ووقتك لمن يستحقه، وودَّك لمن يمنحك قلبه. فالناس في حياتك أصناف: عابرون، ومسافرون، وقليلٌ منهم وطن.
ولا تفتش عن إنسانٍ كامل، فلن تجده؛ فالكمال لله وحده، وابحث عن قلبٍ صادق، إذا أخطأ اعتذر، وإذا قصَّر أصلح، وإذا أحب أخلص.
فإذا قصرت المسافات، وانكشفت الحقائق، فلا تجعل همَّك أن تُحصي عيوب الناس، بل أن تتأمل ما كشفتْه التجارب في نفسك، فالقرب لا يصنع المعادن، وإنما يكشفها، والموفق من خرج من كل تجربة ببصيرةٍ أعمق، وخُلُقٍ أزكى، وقلبٍ أصلح.
قال تعالى:
{وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}. فليست العبرة بما كشفه القرب من عيوب الآخرين، وإنما بما كشفه في أنفسنا من حاجةٍ إلى تهذيبها وإصلاحها؛ فذلك هو الربح الحقيقي الذي يبقى أثره، وإن قصرت المسافات.