د.عبدالله بن موسى الطاير
أتفهم مشاعر البعض الغاضبة من الذين يتوقون لردود خليجية عسكرية تشفي صدروهم، لكن لا ينبغي تفسير امتناع الدول عن مجاراة السلوك الثوري باعتباره ضعفا، بل هو العكس تماما، فالدولة الأقوى ليست الأكثر استعدادا لإحراق مكتسباتها. قدرة الثورة المسلحة على تحمل خسائر بشرية هائلة أو تدمير البنية التحتية التي تعيش داخلها ليست دليلا على تفوقها، بل نتيجة لانخفاض كلفة القرار لديها وعدم اكتراثها بهذه الكلفة، وتغليبها مصالح النخب الثورية المتصارعة على حساب الشعب. ليست هذه بحال من الأحول ميزة، أو قيمة مضافة، فكل توسع خارج الحدود ينتج في المقابل قوى تسعى إلى احتوائه، فالدولة الثورية تهيئ خصومها لمواجهة مختلفة، لأن الخلاف معها ليس على مصلحة يمكن التفاوض عليها، بل يمثل تهديدا يتجاوز الحدود إلى داخل الدول دون اكتراث لتبعاته أو للمستقر في عرف الدولة الحديثة.
الثورة قد تتفوق في هدم القواعد، لكن الدولة تُختبر في قدرتها على بناء نظام يمكن أن يصمد، ولذلك قام النظام الدولي الحديث على الاعتراف بالسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ صحيح أن الدول قد تتنازع على الحدود والنفوذ والمصالح، لكنها تظل تعترف بالسيادة للخصوم والأصدقاء. أما الدولة الثورية، فعلى خلاف ذلك، فهي لا تكترث بتحسين موقعها داخل النظام الدولي، لأنها لا تعترف ببعض قواعده كالحدود، التي تراها علامات لتمزيق الأمة الموعودة، من صنع الاستعمار والاستكبار العالمي، لذا فإنها لا تكتفي بعلاقاتها مع الدول وإنما تصنع شبكات وكلاء داخل مكونات الدول الجارة. ذلك ما فعلته فرنسا بعد ثورة 1789م، حين دعمت الحركات والجمهوريات الشقيقة في أوروبا، وما فعله الاتحاد السوفيتي عبر الأحزاب الشيوعية المرتبطة بموسكو، فالثورة، عندما ترى نفسها رسالة تتجاوز حدودها، تصبح السياسة الخارجية امتدادا لنهجها العقائدي.
مشروع إيران الذي بدأ بخطاب ثوري إسلاموي أصبح لاحقا وسيلة لإبعاد المواجهة عن الأراضي الإيرانية وصناعة عمق استراتيجي خارج الحدود دمجت فيه بين العقيدة والمصلحة. الدولة الطبيعية، من جانب آخر، مسؤولة عن مدن واقتصاد واستقرار اجتماعي وعلاقات خارجية، وتعرف أن لكل مواجهة كلفة مباشرة على مجتمعها ومؤسساتها، بعكس عقلية الثورة التي تعمل بمنطق يرفع مستوى المخاطرة، ويتحمل خرابا لا تستطيع الدولة أن تقبله، ويستثمر في الفوضى التي تحاول الدولة منعها.
حزب الله في لبنان تنظيم داخل دولة ذات سيادة استطاع أن يبني قوة مستقلة عن مؤسسات الدولة، وأن يمتلك قدرة حقيقية على التعطيل، والتصرف في قرارات الحرب والسلام، وزج بلبنان في أتون حروب كثيرة لم تقرها الدولة. الحوثيون في اليمن حالة أخرى، انقلبوا على الدولة اليمنية وأصبحوا جزءا من مشروع ثورة عابرة للحدود، أما في العراق فدخلت جماعات مسلحة ضمن مؤسسات الدولة رسميا، من دون أن تنهي ارتباط بعضها بمصالح الحرس الثوري الإيراني سياسيا وعسكريا.
تستميت الثورة للدفع بخصومها في سباق إلى القاع، لأنها تجيد العمل في الحضيض باستخدام الميليشيات وتوظيف الاغتيالات، وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهديد الملاحة وخنق الاقتصاد العالمي، من دون أن تتحمل وحدها نتائج ما تفعله. أما الدولة، فإذا حاولت أن تقلدها في الأدوات والأساليب نفسها، فقد تخسر أهم ما يميزها بوصفها دولة.
يشير التاريخ إلى نتيجة تتكرر في معظم التجارب الثورية وهي أن الثورة تهرم، والدولة تبقى، ففرنسا عادت تدريجيا إلى منطق الدولة، والاتحاد السوفيتي انتقل من الثورة العالمية إلى حماية مصالحه كقوة عظمى، والصين الماوية انتهت إلى براغماتية على النقيض من خطابها الأول. والسؤال الذي يواجه إيران اليوم هو ما إذا كانت تستطيع المرور بالتحول نفسه؟ فشبكة الجماعات المسلحة التي صنعتها لم تعد مجرد أداة في يد الثورة، بل أصبحت جزءا من توازن السلطة داخل النظام الإيراني نفسه. ولهذا فإن نجاح إيران في بناء هذه الشبكة يمثل مصدر قوتها ومشكلتها في آن واحد. ففي الوقت الذي منحها قدرة على الإيذاء والتعطيل تتجاوز حجمها ومصالحها، فإنه لم يجعلها بالضرورة أكثر قوة بالمعنى الذي تُقاس به قوة الدول.
التحالفات التي تتشكل لصد العبث الثوري، سبقتها أمثلة، ففرنسا الثورية واجهت تحالفات أوروبية متعاقبة، والاتحاد السوفيتي واجه الاحتواء، وإيران تدفع حاليا خصوما، لم يكن التعاون بينهم طبيعيا، إلى الاقتراب من بعضهم لمواجهة شرها. وهي بين خيارين لا ثالث لهما، إما التحول لمنطق الدولة أو مواجهة الهرم الطبيعي الذي سيفتك بمكوناتها الثورية في الداخل والخارج.