د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
ليست المشكلة أن تكون الجامعة قديمة؛ فالعراقة قيمة، والتاريخ العلمي مصدر قوة، والتقاليد الأكاديمية الرصينة جزء من هوية المؤسسات الكبرى. المشكلة تبدأ عندما تتحول العراقة إلى ذريعة للجمود، ويصبح الماضي نموذجًا مقدسًا لا تجوز مراجعته، وتواصل الجامعة تعليم أجيال جديدة بعقلية لم تعد قادرة على قراءة التحولات المتسارعة من حولها. عندها لا نكون أمام جامعة عريقة، بل أمام جامعة خارج الزمن.
الجامعة في أصل رسالتها ليست مكانًا لمنح الشهادات، وإنما مؤسسة لصناعة الإنسان وإنتاج المعرفة وخدمة المجتمع. وهي المساحة التي يفترض أن تتقدم فيها الأسئلة على الإجابات الجاهزة، والتفكير على الحفظ، والبحث على التلقين. غير أن بعض الجامعات التقليدية اختزلت هذه الرسالة في مسار متكرر: طالب يدخل القاعة، وأستاذ يلقي المحاضرة، ومقرر يُحفظ، واختبار يقيس مقدار ما بقي في الذاكرة، ثم شهادة تعلن انتهاء الرحلة.
لكن هل انتهت الرحلة فعلًا بالمعرفة، أم انتهت بالحصول على الوثيقة؟
هذا السؤال يكشف أحد أعمق أزمات التعليم الجامعي التقليدي؛ إذ أصبحت الشهادة لدى بعض المؤسسات والطلاب هي الغاية، بينما يفترض أن تكون دليلًا على تحول حقيقي طرأ على عقل الخريج ومهاراته وقدرته على التفكير والعمل والإنتاج.
لقد تغير العالم بصورة هائلة. المعلومة التي كان الطالب يحتاج أيامًا للبحث عنها أصبحت تصل إليه خلال ثوانٍ، والمكتبات انتقلت إلى الأجهزة المحمولة، والمحاضرات العالمية متاحة بضغطة زر، وأدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على التلخيص والترجمة والتحليل والمساعدة في البحث والكتابة والبرمجة. ومع ذلك لا تزال بعض القاعات الجامعية تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها قبل عقود: الأستاذ يتحدث، والطالب يكتب، ثم يحفظ ما كتب ليستعيده في ورقة الاختبار.
في هذا السياق لم تعد قيمة الأستاذ في مقدار المعلومات التي يستطيع نقلها؛ فالمعلومات متاحة بكثافة، وإنما في قدرته على تعليم الطالب كيف يفهمها، وينقدها، ويتحقق منها، ويربط بينها، ويوظفها في معالجة المشكلات. الأستاذ الجامعي في العصر الجديد قائد معرفي، لا مجرد ناقل للمحتوى.
وتظهر أزمة الجامعات التقليدية بصورة أوضح في الخطط الدراسية الجامدة. تتغير المهن، وتظهر تخصصات جديدة، وتختفي وظائف، وتتبدل المهارات المطلوبة، بينما تبقى بعض المقررات سنوات طويلة دون مراجعة جوهرية. قد تتغير أغلفة الكتب، وأسماء الوحدات، وطريقة عرض المحتوى، لكن الفلسفة التعليمية تظل كما هي.
ولا يعني ذلك تحويل الجامعة إلى مركز تدريب وظيفي؛ فالجامعة أوسع رسالة من سوق العمل، ومهمتها بناء العقل والثقافة والشخصية والقدرة على البحث. لكن بناء الإنسان لا يعني تجاهل الواقع. فما قيمة برنامج أكاديمي يخرج طالبًا يحمل معرفة نظرية واسعة، لكنه يعجز عن التواصل، أو كتابة تقرير مهني، أو تحليل مشكلة، أو التعامل مع التقنية، أو العمل ضمن فريق؟
ثم تأتي البيروقراطية الجامعية باعتبارها وجهًا آخر للتقليدية. بعض الجامعات تتحدث عن الابتكار، لكنها تدير الابتكار بعشرات النماذج والموافقات. وتتحدث عن سرعة التحول، بينما تستغرق المبادرة البسيطة وقتًا طويلًا حتى تنتقل بين اللجان والإدارات. وقد تضيع الفكرة المبدعة قبل وصولها إلى صاحب القرار.
الإجراءات مهمة، والحوكمة ضرورة، واللوائح تحفظ الحقوق وتمنع الفوضى، لكن الخلل يبدأ عندما يتحول الإجراء من وسيلة إلى غاية. المؤسسة الناجحة لا تسأل فقط: هل اكتملت المعاملة؟ بل تسأل أيضًا: لماذا احتاجت كل هذه الخطوات أصلًا؟
حتى التحول الرقمي قد يصبح في الجامعة التقليدية صورة جديدة للمشكلة القديمة. فالانتقال من الورقة إلى الشاشة لا يعني بالضرورة أن المؤسسة تحولت رقميًا. إذا كان الطلب الإلكتروني يمر بالعدد نفسه من المراحل والتوقيعات والانتظار، فإننا لم نغير طريقة العمل، وإنما غيرنا شكل الورقة.
والأمر ذاته يصدق على الشعارات الحديثة. قد تكثر في الخطط الجامعية كلمات: الابتكار، وريادة الأعمال، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة، والتحول الرقمي، لكن المصطلحات لا تصنع جامعة حديثة. الحداثة ليست في العبارات المكتوبة في الخطط الاستراتيجية، بل في أثرها داخل القاعة، والمختبر، ومركز الأبحاث، والإدارة.
أما البحث العلمي فيحتاج هو الآخر إلى وقفة نقدية. فقد يصبح عدد الأبحاث المنشورة هدفًا بحد ذاته، وتتسابق المؤسسات في الأرقام والتصنيفات، بينما يتراجع السؤال الأهم: ماذا قدم هذا البحث للمعرفة أو المجتمع؟
لا يكفي أن تنتج الجامعة آلاف الصفحات سنويًا إذا ظلت مشكلات مجتمعها بعيدة عن مختبراتها ومراكزها البحثية. ولا يكفي أن يزداد عدد الأوراق العلمية إذا كان بعضها ينتهي دوره بمجرد إضافته إلى السيرة الأكاديمية. البحث الحقيقي ليس رقمًا في تقرير سنوي، وإنما معرفة تضيف، أو مشكلة تعالج، أو فكرة تفتح طريقًا جديدًا.
ومن أخطر مظاهر الجامعة التقليدية أيضًا مقاومتها غير المعلنة للنقد الداخلي. فالمؤسسة العلمية التي تعلم طلابها التفكير النقدي ينبغي أن تكون أول من يقبل تطبيقه على ذاته. الاعتراف بضعف برنامج أكاديمي ليس إساءة إلى الجامعة، ومراجعة مقرر قديم ليست تقليلًا من واضعيه، وإلغاء إجراء إداري لم يعد مفيدًا لا يعني الطعن فيمن وضعه. المؤسسات الحية تراجع نفسها، أما المؤسسات الجامدة فتدافع عن أخطائها لأنها اعتادت عليها.
إن الجامعة التي نحتاجها اليوم ليست جامعة تتخلى عن أصالتها، بل جامعة تعرف الفرق بين الأصالة والجمود. تحافظ على قيم العلم والانضباط والأمانة والمنهجية، وتتخلى في المقابل عن كل ممارسة لم تعد تحقق غرضًا علميًا أو تعليميًا.
نحتاج جامعة تسأل عن أثر الخريج قبل عدد الخريجين، وعن جودة البحث قبل عدد الأبحاث، وعن كفاءة المقرر قبل عدد ساعاته، وعن المهارة التي اكتسبها الطالب قبل الدرجة التي حصل عليها.
فالخطر الحقيقي على الجامعات ليس ظهور الذكاء الاصطناعي، ولا انتشار التعليم الرقمي، ولا المنافسة العالمية؛ بل أن يتغير العالم كله، وتبقى الجامعة مقتنعة بأن ما أوصلها إلى الأمس كافٍ ليأخذها إلى الغد.
فالجامعة التي تعيش على أمجاد تاريخها، ولا تصنع أسباب مستقبلها، قد تبقى واقفة في مكانها طويلًا؛ لكن العالم لن يقف معها.