د. علي بن عالي السعدوني
ليس من الصعب أن تعلن الجامعات عن المشروعات والبرامج والكليات الجديدة، فالإعلان لا يحتاج أكثر من منصة إعلامية وخبر صحفي وصورة تذكارية وعبارات تتحدث عن المستقبل والطموح والتطوير لكن الاختبار الحقيقي لأي مؤسسة أكاديمية يبدأ بعد انطفاء أضواء المناسبة حين يسأل المجتمع ماذا تحقق من ذلك الإعلان، وأين وصل المشروع، ومتى يتحول الكلام إلى مقاعد دراسية وقاعات ومعامل وأعضاء هيئة تدريس وطلاب؟، ولهذا فإن السؤال الذي يُطرح اليوم بوضوح على جامعة حفر الباطن هو: أين كلية الطب؟
لقد جاء تدشين كلية الطب بجامعة حفر الباطن أثناء حضور صاحب السمو الملكي أمير المنطقة الشرقية حفل تخرج الدفعة الحادية عشرة للعام الجامعي 1446هـ، وكان الخبر بالنسبة لأهالي المحافظة أكبر من مجرد إضافة كلية جديدة إلى هيكل الجامعة، فقد استقبله المجتمع بوصفه خطوة طال انتظارها، وفتح الإعلان أبوابًا واسعة من الأمل أمام الطلاب وأولياء أمورهم ولاسيما أن حفر الباطن محافظة كبيرة، والقطاع الصحي فيها يحتاج إلى المزيد من الكفاءات الوطنية، ووجود كلية للطب في جامعتها يمثل مشروعًا علميًا وتنمويًا يستحق الدعم والاحتفاء.
لكن ماذا حدث بعد ذلك؟!
لماذا خفت الحديث عن كلية الطب؟ ولماذا لم تعد الجامعة تقدم للمجتمع معلومات واضحة عن مراحل إنشائها وتشغيلها؟ وأين وصلت إجراءات الاعتماد والتجهيز والاستقطاب الأكاديمي؟ وهل حُدد موعد فعلي لبدء الدراسة؟ وهل هناك جدول زمني معلن يستطيع الطالب وولي الأمر العودة إليه بدل الدوران في دائرة السؤال والتوقع والانتظار؟
هذه ليست أسئلة هامشية يمكن تأجيل الإجابة عنها؛ لأننا لا نتحدث عن فعالية جامعية انتهت بانتهاء الحفل، ولا عن مشروع يمكن أن يظل معلقًا في مساحة الأخبار القديمة، وإنما نتحدث عن كلية طب، وعن تخصص ترتبط به قرارات طلاب ومستقبل أسر، وعن إعلان رسمي صنع توقعات لدى مجتمع كامل، ولذا فإن استمرار الغموض حول المشروع لا يخدم الجامعة بل يجعل السؤال يكبر مع مرور الوقت: لماذا أُعلن عن الكلية قبل أن تتضح للمجتمع تفاصيل تشغيلها ومسار القبول فيها؟
الأكثر أهمية من ذلك كله هم الطلاب الذين دخلوا السنة التحضيرية في العام الماضي، وبعضهم كان يضع كلية الطب ضمن طموحاته وخياراته المستقبلية، وهؤلاء لا يجوز أن يبقوا أسرى الاحتمالات أو الأحاديث المتداولة أو الإجابات غير الرسمية؛ لأن الطالب عندما يختار مساره الجامعي فإنه لا يختار مقررًا دراسيًا عابرًا، وإنما يرسم سنوات من عمره ومستقبله المهني، وولي الأمر حين يضع ثقته في مؤسسة تعليمية فإنه يفترض أن المعلومات المتعلقة بمستقبل ابنه أو ابنته ستكون واضحة ومحددة ومتاحة في وقتها.
ومن خلال هذا نسأل جامعة حفر الباطن بصورة واضحة: ما مصير هؤلاء الطلاب؟
هل توجد آلية واضحة لقبولهم في كلية الطب عند تشغيلها؟ وهل أُبلغوا منذ البداية بالشروط والمسارات المتاحة؟ وهل تأخر تشغيل الكلية سيؤثر في فرصهم؟ وهل هناك خطة بديلة تحفظ لهم خياراتهم الأكاديمية؟ ثم ما الذي يمنع الجامعة من إصدار بيان تفصيلي يجيب عن هذه الأسئلة، ويضع حدًا للتكهنات، ويخبر المجتمع بالحقيقة كما هي؟
نحن ندرك أن إنشاء كلية للطب ليس كإنشاء برنامج أكاديمي عادي، فهناك متطلبات للاعتماد، وتجهيزات دقيقة، وكفاءات أكاديمية وطبية، وبيئة تدريب سريري، وشراكات مع المنشآت الصحية، ومتطلبات كثيرة لا يمكن تجاوزها أو اختصارها، وقد تكون هناك إجراءات تنظيمية لا تملك الجامعة وحدها قرار حسمها لكن وجود هذه التحديات لا يبرر غياب المعلومة بل يجعل الحاجة إلى المعلومة أكبر؛ لأن المجتمع يستطيع أن يتفهم التأخير حين يعرف أسبابه لكنه لا يستطيع أن يفهم الصمت حين يكون مستقبل أبنائه جزءًا من الموضوع.
الشفافية في الجامعات ليست بيانًا للعلاقات العامة يُنشر عند الإنجاز فقط، وليست صورة تُلتقط عند التدشين ثم ينتهي معها حضور المشروع إعلاميًا، وإنما هي التزام أخلاقي وأكاديمي مستمر يبدأ منذ لحظة الإعلان، ويمتد إلى شرح مراحل التنفيذ، وينتهي بوضع المجتمع أمام النتائج، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشروع تعليمي يرتبط بمستقبل الطلاب.
جامعة حفر الباطن ليست بعيدة عن مجتمعها بل هي جامعة تحمل اسم هذه المحافظة، وتنمو بطموحات أبنائها، وتُقاس مكانتها بما تضيفه إلى مستقبلهم، ولهذا فإن السؤال عن كلية الطب ليس خصومة مع الجامعة، وليس تقليلًا من جهودها، وإنما هو سؤال مشروع يجب أن ترحب به أي مؤسسة أكاديمية تؤمن بأن المجتمع شريك في نجاحها، وأن الطالب هو محور العملية التعليمية، وأن المعلومة حق وليست منحة.
نريد أن نعرف أين وصلت كلية الطب، ونريد أن نعرف أسباب التأخير إن كان هناك تأخير، ونريد أن نعرف موعد التشغيل المتوقع، ونريد قبل ذلك كله إجابة واضحة عن مصير الطلاب الذين دخلوا السنة التحضيرية وهم يحملون آمالهم وطموحاتهم نحو التخصصات الصحية، لأن ترك الطالب وولي الأمر في منطقة مجهولة لا ينسجم مع مفهوم الحوكمة الأكاديمية، ولا مع الشفافية التي أصبحت معيارًا أساسيًا في أداء المؤسسات الحديثة.
ليس المطلوب من جامعة حفر الباطن أن تقول إن كل شيء يسير بصورة مثالية، وليس المطلوب منها أن تقدم موعدًا لا تستطيع الالتزام به، المطلوب أبسط من ذلك وأكثر أهمية: قولوا للناس أين وصلت كلية الطب، وما الذي حدث منذ تدشينها، وما الخطوات المتبقية، ومتى يُتوقع أن تستقبل طلابها؟
فالمجتمع لا يطالب بالمستحيل، والطلاب لا يبحثون عن وعود جديدة، وأولياء الأمور لا يريدون عبارات عامة، الجميع يريد معلومة واضحة تحترم عقولهم وتحفظ مستقبل أبنائهم، لأن الإعلان مسؤولية، والتدشين التزام، والصمت بعد صناعة الأمل لا ينبغي أن يكون هو الإجابة.
يا جامعة حفر الباطن.. أين كلية الطب؟