د. عبدالله علي بانخر
يُعد كتاب «الإدارة المحلية والقطاع البلدي.. التحديات والفرص الضائعة.. الرياض أنموذجاً (1418هـ - 1432هـ/ 1997م - 2012م)» الصادر في عام (1442هـ) لصاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف (أمين منطقة الرياض خلال الفترة من 1418هـ إلى 1433هـ/ 1997م إلى 2012م)، وثيقة إدارية وتخطيطية بالغة الأهمية. يوثِّق الكتاب خلاصة تجربة ميدانية استمرت لأكثر من خمسة عشر عاماً قضاها المؤلف في إدارة وتطوير عاصمة المملكة العربية السعودية.
ينطلق الكتاب من رؤية عميقة ترتكز على الخبرة الأكاديمية والممارسة العملية؛ فالمؤلف يحمل درجات علمية متقدمة في التخطيط العمراني والعمارة من جامعات أمريكية عريقة، وجمع بين العمل الأكاديمي بجامعة الملك سعود والمسؤولية التنفيذية الكبرى. ويأتي هذا العمل ليلخّص رحلة عمل تحت إشراف وتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- عندما كان أميراً لمنطقة الرياض آنذاك، مما يمنح التجربة أبعاداً تاريخية وتنظيمية فريدة.
الإطار العام وفصول الكتاب
توزعت مادة الكتاب على مقدمة وثمانية فصول رئيسية وخاتمة، غطت مختلف الجوانب النظرية والتطبيقية، والمالية والتخطيطية، وصولاً إلى برامج أنسنة المدن وتحديات المستقبل:
- الفصل الأول والثاني: ناقشا الإطار النظري للإدارة المحلية والقطاع البلدي، مسلطين الضوء على تجربة «الرياض الكبرى: مدن في مدينة»، وتعزيز اللامركزية الإدارية، وتجسير الفجوة بين المركزية واللامركزية، إضافة إلى برامج المراكز الإدارية الموحدة وعقود النظافة.
- الفصل الثالث والرابع والخامس والسادس: تناولت العمل البلدي واقعاً ومأمولاً، والجانب الإداري لاقتناص الفرص الضائعة واستثمارها، والجانب المالي، ومبادرات التمويل البلدي وتجسير الشراكة مع القطاع الخاص، فضلاً عن الجانب التخطيطي وإعادة النظر في نهج التخطيط العمراني الشامل.
- الفصل السابع والثامن والخاتمة: بحثت قضايا ملكيات ومنح الأراضي وإعاقة التنمية، ومفهوم «أَنْسَنة المدن» وبرامجها الثقافية والبيئية والرياضية، وختمت بملامح خطوات المستقبل والبدائل الإستراتيجية مثل الصندوق البلدي، والخصخصة، والإدارة المحلية.
التحليل الموضوعي لأبرز أفكار الكتاب
1 - فلسفة الإدارة المحلية والجمع بين المركزية واللامركزية
يُبرز الكتاب بوضوح النجاح الإداري للملك سلمان بن عبدالعزيز خلال إمارته لمنطقة الرياض، حيث تبنى نهجاً استثنائياً يجمع بمهارة بين المركزية واللامركزية بحسب ظروف العمل وما تقتضيه من تفويض للصلاحيات. وقد تجسد ذلك عملياً في أمانة منطقة الرياض من خلال تقسيم مدينة الرياض إلى (15) مركزاً إدارياً، يضم كل منها فروعاً للجهات الحكومية المختلفة (كالإمارة، والأمانة، والشرطة، والجوازات)، ليكون كل مركز إداري مدينة بحد ذاته، وهو ما عزز كفاءة الخدمات وقربها من السكان.
2 - تشخيص التحديات الهيكلية والمالية للقطاع البلدي
يضع المؤلف يده بجرأة على الجوهر الحقيقي لمعاناة الإدارة المحلية، مشيراً إلى أن المأزق الرئيسي يكمن في عدم استطاعة البلديات بأسلوب إدارتها الحالي وإمكاناتها المالية المتاحة تلبية الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، فضلاً عن مواكبة التطلعات المطردة للسكان. ويتمثل التحدي الحقيقي أمام المدن السعودية في الانتقال من الاعتماد الكلي على الدولة في تمويل الميزانيات إلى الاعتماد الذاتي عبر تنمية الإيرادات والاستثمارات البلدية، والتفكير «خارج الصندوق» بعيداً عن رادار العمل البلدي التقليدي.
3 - الشراكة مع القطاع الخاص واستثمار الأنظمة
يستعرض الكتاب منظومة واسعة من المبادرات والمقترحات التي أطلقتها أمانة الرياض للخروج من أسر البيروقراطية، مثل:
- مبادرات تأسيس فكر جديد للاستثمار البلدي وأنظمة البناء.
- مبادرات دعم التمويل البلدي وتجسير الشراكة مع القطاع الخاص (مثل تأسيس شركات كبرى مثل شركة الرياض القابضة وشركة الرياض للتسيير).
- إطلاق برامج رخص البناء الفورية ونظام الرقابة المركزية.
- تفعيل خطوات الخصخصة لعدد من الخدمات وتعزيز برامج الأتمتة لتحقيق الاستدامة.
4 - أنسنة المدن وتنمية جودة الحياة
يمثل مفهوم «أَنسْنَة المدن» (جعل المدن إنسانية وملائمة للبشر) إحدى أبرز محطات الكتاب؛ إذ لا يقتصر التطوير العمراني على البنى التحتية الصماء، بل امتد ليشمل مبادرات تعزيز التنمية الثقافية، والرياضة والمشي، والساحات البلدية، والتنمية البيئية، وحماية المستهلك وتنشيط الأسواق الشعبية. هذه البرامج جعلت من الرياض بيئة حضرية تحترم الإنسان وتعزز ارتباطه بمدينته.
استمرارية العطاء المؤسسي: من ريادة الأنسنة إلى آفاق جودة الحياة العالمية
عقب تركه دفة أمانة منطقة الرياض في عام 2012م بناءً على طلبه، واصل صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف مسيرته الوطنية عبر تولي العديد من المناصب القيادية والرفيعة، متسلحاً بخلفيته الأكاديمية العميقة ليرسخ حضوره الفكري والمؤسسي؛ حيث يبرز في مقدمة ذلك رئاسته لمجلس أمناء جامعة الأمير سلطان في الرياض، فضلاً عن عضويته في مجالس إدارة الهيئات والشركات الكبرى المرتبطة بالتطوير العمراني والإستراتيجي.
وفي محطة تاريخية تعكس استمرارية النهج المؤسسي والتتابع الجيلي الفريد، تولى صاحب السمو الأمير المهندس الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عياف منصب أمين منطقة الرياض في نهاية عام 2019م (ربيع الأول 1441هـ)، ليحمل الراية مواصلاً مسيرة البناء والتطوير التي أرست قواعدها تلك التجارب والجهود الميدانية التي وثقها والده طوال فترة إدارته للأمانة بين عامي (1418هـ - 1433هـ / 1997م - 2012م).
إن رؤية الأمين الحالي لا تقف عند حدود صيانة الإرث التخطيطي للأب، بل تتجاوزه نحو آفاق استشرافية غير مسبوقة؛ فبينما ارتبطت فترة الأب بتأسيس وبذر لبنات «أنسنة المدن» كضرورة ملحة للخروج من أسر البيروقراطية والعمل البلدي التقليدي، يقود الابن اليوم مرحلة التمكين والقفزات الكبرى عبر ترجمة هذه الأسس إلى مشاريع نوعية تستهدف «جودة الحياة» بمفهومها الشامل والعميق وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030. هذا التتابع يربط بين كفاءة التخطيط الميداني وبناء اقتصاديات مدن مزدهرة، لتتحول الرياض تحت قيادة الأمين الحالي إلى حاضنة عالمية كبرى للمشاريع الإستراتيجية، والابتكار العمراني، والاستدامة البيئية، واضعةً إنسان العاصمة ومستقبله في قلب معادلة التنمية المستدامة.
دلالات التوثيق وآفاق المستقبل الحضري
يُعد كتاب الأمير عبدالعزيز بن عياف -الذي وثق مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ العاصمة- مرجعاً نوعياً لكل المهتمين بالتخطيط الحضري، والإدارة المحلية، وصنع القرار التنموي في المملكة العربية السعودية. لقد نجح المؤلف في تقديم مزيج متوازن بين التنظير العلمي الأكاديمي والتوثيق الميداني للوقائع والتجارب الناجحة، ليأتي هذا العمل، امتداداً لجهود الأمين الحالي، ملهماً لصناع القرار والأجيال القادمة في مواصلة مسيرة البناء الحضري الذكي والمستدام.