عبد العزيز الموسى
ليست كل الشخصيات العامة تُقرأ من خلال المناصب التي تقلدتها، فبعضها لا تُفهم إلا من خلال الأسئلة التي شغلتها، والمشروع الذي انشغلت ببنائه. ومن هذا النوع تأتي تجربة معالي الدكتور توفيق بن عبد العزيز السديري؛ فهي ليست سيرة مسؤول تنقل بين مواقع إدارية، بقدر ما هي مسار فكري بدأ من سؤال المؤسسة، ثم تجديد الخطاب الديني، فالأمن الفكري، وصولًا إلى الثقافة والأنثروبولوجيا بوصفهما مدخلًا لفهم المجتمع. وجاء الأمر السامي الكريم بتعيينه عضوًا في مجلس منطقة الرياض مناسبة لاستعادة هذا المسار، وقراءته في ضوء التحولات الفكرية والثقافية التي تشهدها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030.
وإذا كانت المناصب تكشف جانبًا من التجربة، فإنها لا تفسرها كاملة؛ فالمتأمل في سيرة الدكتور السديري يلحظ أن كل مرحلة من حياته كانت تمهد لما بعدها؛ إذ بدأ بدراسة العلوم الإدارية والاستراتيجية في جامعة الملك سعود، وهو اختيار لم يكن بعيدًا عن اهتمامه اللاحق ببناء المؤسسات وتطوير الأداء، ثم أمضى نحو خمسة عشر عامًا في وزارة المالية والاقتصاد الوطني حتى بلغ درجة مدير عام، فاكتسب خبرة عملية في الإدارة الحكومية، قبل أن ينتقل مع تأسيس وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد إلى ميدان سيصبح عنوان مشروعه الفكري.
ولم يكن انتقاله إلى الوزارة انتقالًا من الإدارة إلى الدعوة فحسب، بل كان انتقالًا من إدارة المؤسسات إلى إدارة الأفكار. فقد شغل عددًا من المواقع القيادية، من بينها الإدارة العامة للمنظمات الإسلامية الدولية، ثم وكالة الوزارة للشؤون الإسلامية، ثم وكالة الوزارة لشؤون المساجد والدعوة والإرشاد، وترأس هيئة التوعية الإسلامية في الحج، وهي مواقع أتاحت له الاحتكاك المباشر بواقع العمل الإسلامي داخل المملكة وخارجها، ومتابعة التحولات التي أصابت الخطاب الديني في العقود الأخيرة.
ولعل هذا ما يفسر أن مشروعه لم ينشغل بكثرة الخطاب، بقدر انشغاله بجودته، فقد أدرك مبكرًا أن الخطاب الديني لا يُقاس بعلو صوته، وإنما بقدرته على بناء الوعي، وترسيخ قيم الاعتدال، وربط الناس بثوابت الدين دون أن يعزلهم عن واقعهم ومتغيرات عصرهم.
وتعكس مؤلفاته هذا المسار بوضوح؛ ففي كتابه: «الإسلام والدستور» ناقش العلاقة بين الإسلام والنظام العام، بينما كشفت رسالته للدكتوراه، الموسومة بـ «الدعوة في مجتمع الأقليات المسلمة في أوروبا»، عن اهتمام مبكر بسؤال الهوية في البيئات المتعددة الثقافات؛ إذ لم ينشغل فقط بكيفية حفاظ المسلم على دينه، وإنما بكيفية تفاعل الخطاب الإسلامي مع مجتمع مختلف، دون أن يفقد ثوابته أو يتحول إلى خطاب انعزالي. وهذه الفكرة ستظل حاضرة في معظم إنتاجه العلمي اللاحق، وإن اختلفت موضوعاته.
ثم جاءت مؤلفاته مثل: «من أصول الدعوة» و «توجيهات للأئمة والخطباء»، لتؤكد أن إصلاح الخطاب يبدأ بإصلاح أدواته، وأن الإمام والخطيب ليسا مجرد ناقلين للأحكام، بل شريكان في صناعة الوعي، وتعزيز السلم المجتمعي، وترسيخ الوسطية.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يتجه اهتمامه لاحقًا إلى قضية الأمن الفكري، بوصفها امتدادًا طبيعيًا لتجديد الخطاب الديني؛ فالتطرف، في نظره، لا يبدأ من السلاح، وإنما من الفكرة، ولا يتحول إلى عنف إلا بعد سلسلة طويلة من الاختلالات الفكرية، ومن هنا جاء كتابه: «التوحيد وأثره في تحقيق الأمن»، ليؤكد أن الأمن ليس مسؤولية الأجهزة وحدها، بل ثمرة لصحة الاعتقاد، وسلامة الفهم، واتزان العلاقة بين الفرد ومجتمعه ودولته.
ومن هذه الرؤية انطلق في قراءة ظاهرة الصحوة، فقدم مراجعة اتسمت بالهدوء والبعد عن الانفعال؛ إذ لم يتعامل معها بمنطق الهدم أو التمجيد، وإنما بوصفها تجربة تاريخية تحتاج إلى قراءة نقدية تميز بين التدين بوصفه قيمة راسخة في المجتمع السعودي، وبين الاجتهادات الحركية التي اختلط فيها الدعوي بالسياسي، وغلب فيها الانتماء التنظيمي على فقه الدولة والمصلحة العامة.
وفي هذا السياق برز اهتمامه بظاهرة الإسلام السياسي، لا بوصفها خلافًا مذهبيًا أو سجالًا إعلاميًا، وإنما باعتبارها ظاهرة فكرية تستحق الدراسة والتحليل. فقد رأى أن عددًا من هذه الجماعات أعاد تفسير النصوص الدينية تفسيرًا سياسيًا، بعيدًا عن المنهج النبوي، وأنتج مفاهيم جعلت التنظيم مقدمًا على الدولة، والولاء الحزبي سابقًا على الانتماء الوطني، وأسهمت في نشر أحكام ومفاهيم لا تنسجم مع مقاصد الشريعة ولا مع البناء التاريخي للدولة الوطنية الحديثة.
ولذلك لم يكتفِ بالنقد المجمل، بل اتجه إلى التشخيص التاريخي، وهو ما بدا واضحًا في لقاءاته التلفزيونية، ولا سيما في كتابه: «تشخيص الصحوة: تحليل وذكريات»، حيث قدم قراءة موثقة لنشأة التيار السروري، وجذوره الفكرية، وتحولاته التنظيمية، وعلاقته بجماعة الإخوان المسلمين، مبينًا أن محمد سرور بدأ في إطار الإخوان في سوريا، ثم تأثر بالتيار القطبي، قبل أن يؤسس مشروعه الخاص في المملكة، مستفيدًا من المزج بين الخطاب السلفي في الظاهر، والبنية الحركية في التنظيم.
ولم يكن هدف هذه القراءة الوقوف عند الأشخاص، بقدر ما كان تفسير الظاهرة نفسها؛ فالأفكار - في نظره - لا تنتشر صدفة، بل عبر مؤسسات ووسائط اجتماعية وتعليمية وثقافية، ولهذا ركز على أهمية دراسة مسارات تغلغل التيارات الحركية في بعض القطاعات التعليمية والثقافية، وكيف استطاعت استقطاب أعداد من الشباب عبر خطاب يجمع بين الحماسة الدينية والتنظيم السياسي.
ولم يكن تشخيص الدكتور توفيق السديري لهذه الظواهر دعوة إلى استدعاء صراعات الماضي، وإنما إلى الاستفادة من دروسه. فقد ظل يؤكد أن معالجة آثار الحركات المؤدلجة لا تكون بإثارة الخصومات، بل ببناء البديل العلمي والثقافي، وترسيخ الانتماء الوطني، وتجديد أدوات التعليم والدعوة، ومن هنا كان يرى أن مواجهة التطرف مشروع معرفي طويل، لا يقتصر على الإجراءات الأمنية، مهما بلغت أهميتها.
وفي قراءاته للحركات الإسلامية كان يلفت إلى أن بعض التنظيمات استثمرت التعليم والعمل الخيري والثقافي بوصفها وسائل لبناء النفوذ، وأنها سعت إلى تقديم تفسير سياسي للإسلام يختزل الدين في مشروع تنظيمي، وهو ما أوجد حالة من الالتباس بين التدين الفطري الذي عُرف به المجتمع السعودي، وبين التدين الحركي الذي يقوم على الولاء للتنظيم، ولهذا كان يؤكد أن حماية التعليم وبناء المناهج وتعزيز الهوية الوطنية تمثل خطوط الدفاع الأولى عن الأمن الفكري.
ولعل ما يميز طرحه أنه لم يكتفِ بوصف المشكلة، بل حاول تفسير أسبابها. فقد رأى أن الحركات المؤدلجة استفادت من الفراغات الفكرية، ومن التحولات الإقليمية، ومن تراجع بعض المشاريع السياسية في العالم العربي، لتقدم نفسها بوصفها البديل. كما رأى أن فلسفات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي أسهمت في إنتاج تصورات أفضت - عند بعض أتباعها - إلى تكفير المجتمعات والحكام، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والدين خارج الأطر التي استقرت عليها التجربة الإسلامية عبر تاريخها.
وجاءت أهمية طرحه أنه اعتمد على التوثيق، واستدعاء الشهادات، وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية، مقدمًا قراءة تساعد على فهم تطور تلك التنظيمات، وأسباب انتشارها، والعوامل التي أدت إلى تراجعها. ولذلك فإن قيمة هذه الحوارات لا تكمن في بعدها الإعلامي، بقدر ما تكمن في كونها امتدادًا لمشروعه البحثي في دراسة الإسلام السياسي وتشخيص مرحلة الصحوة.
وإذا كان هذا الجانب قد شغل مساحة واسعة من اهتمامه، فإن اللافت أن مشروعه لم يتوقف عند نقد الأفكار المنحرفة، بل تطور إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نبني مجتمعًا يمتلك مناعته الذاتية؟ وكيف نفهم البيئة التي يتوجه إليها الخطاب الديني والثقافي؟
هنا يبرز اهتمامه بالثقافة والعلوم الإنسانية، ولا سيما الأنثروبولوجيا. وقد تجسد ذلك في محاضرته الموسومة: «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا.. أمل تحقق لفهم الإنسان السعودي وتوثيق تراثه في ظل رؤية المملكة 2030». ولم يكن هذا التحول انتقالًا إلى حقل معرفي جديد بقدر ما كان استكمالًا لمسار بدأ قبل سنوات؛ فالذي انشغل بتجديد الخطاب الديني، ثم بحماية الوعي من التطرف، وجد أن الخطوة التالية هي فهم المجتمع نفسه، لأن الخطاب لا ينجح إذا انفصل عن البيئة التي يخاطبها.
فالأنثروبولوجيا، في هذا السياق، ليست دراسة للماضي فحسب، بل وسيلة لفهم الإنسان في عاداته وقيمه وذاكرته الجمعية، واستيعاب التحولات التي يعيشها المجتمع. ولذلك فإن توثيق التراث لا يمثل حنينًا إلى الماضي، وإنما استثمارًا للهوية في بناء المستقبل. والمجتمع الواثق من جذوره يكون أقدر على الانفتاح على العالم دون أن يفقد خصوصيته، وأكثر قدرة على مقاومة الأفكار الوافدة التي تسعى إلى إعادة تشكيل وعيه.
ومن خلال عدد من اللقاءات التي جمعتني بمعالي الدكتور توفيق السديري، أثناء عمله في وزارة الشؤون الإسلامية وبعده، خاصة التي جمعتني بالعلامة البروفيسور رضوان السيد مع معاليه، وجدت أن أكثر ما يميز شخصيته هو الميل إلى التحليل الهادئ، والحرص على تشخيص الظواهر قبل إصدار الأحكام عليها. وهو شخصية هادئة ويعمل بصمت ويصغي بامتياز وينطلق من السؤال قبل الإجابة، ويقدم الفكرة بوصفها نتيجة للبحث لا شعارًا للجدل، وهي سمة انعكست بوضوح في كتبه ومحاضراته وحواراته الإعلامية.
ومن هذه الزاوية تبدو العلاقة بين مشروع الدكتور السديري ورؤية المملكة 2030 علاقة التقاء في المقاصد لا مجرد تزامن في الزمن. فالرؤية لم تجعل التنمية مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعًا حضاريًا يقوم على بناء المواطن، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ الاعتدال، والاستثمار في الثقافة والمعرفة، وهي المعاني التي يمكن تتبعها في مختلف محطات تجربته؛ من الإدارة، إلى الدعوة، إلى الأمن الفكري، ثم إلى الثقافة والعلوم الإنسانية.
ولا يعني ذلك أن التحولات التي شهدتها المملكة كانت ثمرة جهد فرد واحد؛ فالمشروعات الوطنية الكبرى لا تنهض إلا بتكامل مؤسسات الدولة، وإسهام العلماء والباحثين والمفكرين. غير أن بعض الشخصيات تمثل روافد مهمة في هذه المسيرة، لأنها أسهمت في بناء الأفكار التي مهدت لها، أو في ترسيخ المفاهيم التي دعمتها. وتأتي تجربة الدكتور توفيق السديري في هذا الإطار؛ إذ تقدم نموذجًا للمسؤول الذي جمع بين الخبرة الإدارية، والتأصيل الشرعي، والبحث الفكري، والانفتاح على العلوم الإنسانية، دون أن يفقد اتزانه أو انتماءه لثوابت الدولة والمجتمع.
ولعل القيمة الأبرز في هذه التجربة أنها تكشف تطورًا طبيعيًا في الأسئلة لا تبدلًا في القناعات؛ فقد بدأ بالسؤال عن المؤسسة، ثم عن الخطاب، ثم عن الأمن الفكري، ثم عن المجتمع، حتى انتهى إلى أن بناء المستقبل يبدأ من بناء الوعي. وهذه هي الفكرة التي تمنح مشروعه وحدته، وتجعله أقرب إلى مسار فكري متكامل منه إلى محطات وظيفية متفرقة.
وحين تُقرأ تجربة الدكتور توفيق السديري في ضوء التحولات التي تعيشها المملكة العربية السعودية اليوم، فإنها تبدو أكثر من سيرة شخصية؛ إنها صورة لمسار فكري سعودي انتقل من بناء المؤسسة، إلى تجديد الخطاب، ثم إلى حماية الوعي، وصولًا إلى فهم المجتمع بوصفه أساس كل إصلاح. وربما في هذا التدرج تكمن القيمة الأعمق لهذه التجربة؛ لأنه يذكرنا بأن التنمية لا تبدأ بالمشروعات وحدها، بل بالوعي الذي يصنعها، والهوية التي تحميها، والثقافة التي تمنحها الاستمرار.
** **
- باحث وكاتب في الشؤون الإسلامية والفكر العربي.