د. طلال الحربي
أصبح من أشد المخاطر التي تواجه المجتمعات المعاصرة ذلك الوهم المتنامي بأن منصات التواصل الاجتماعي باتت تمثّل الرأي العام بمعناه الحقيقي والشامل، وأن ما يتصاعد فيها من أصوات صاخبة يعكس توجهات الناس وقناعاتهم. والحقيقة التي ينبغي أن ندركها جميعا و الجهات المختصة قبل سواها هي أن هذه المنصات لا تعدو كونها فضاءً منفلتاً يكافئ التطرف ويعاقب الاعتدال، لأن آليتها الجوهرية لا تقوم على منطق الحجة والدليل، بل على منطق الإعجاب والانتشار، وهو منطق مشبوب بالانفعال ومتحيز بطبعه لكل ما هو مثير وصاخب وخارج عن المألوف.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه البيئة الرقمية هو ظاهرة ما يمكن تسميته “العصمة المزيّفة”، إذ بات بعضهم يؤمن بأن كثرة الإعجابات دليل صواب، وأن الصخب قرينة الحق، فتحول الإعجاب الرقمي إلى سلطة غير معلنة تمنح أصحابها جرأة لا تستند إلى علم ولا خبرة ولا مسؤولية. والأشد إشكالاً أن هذه السلطة المزيفة لا تُمنح لمن يطرح الفكرة الأعمق أو يقدّم التحليل الأرصن، بل تُمنح في الغالب لمن يجيد الاستفزاز، ويُحسن التهكم، ويجرؤ على تجاوز حدود الأدب العام دون اكتراث.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فحين تُعطي المنصة أعلى درجات التفاعل لمن يسيء ويشتم ويرفع الصوت بلا حجة، فإنها تتحوّل قسراً إلى مدرسة تعليمية سلبية تُرسّخ قاعدة مقلوبة مفادها أن التطرف في التعبير هو الطريق الأقصر إلى التأثير.
وفي مثل هذه البيئة، يتلقى المعتدل الواقعي عقاباً ضمنياً بالإهمال، فيما يُثاب المتطرف الصاخب بالانتشار، مما يدفع دائرة التعبير العام نحو التشدد والتجاوز تدريجياً وبصورة ممنهجة.
والخطأ الأفدح الذي يمكن أن تقع فيه بعض الجهات هو الاستسلام الكامل لهذا المنطق المقلوب، وظن أن الاستجابة لكل صيحة من صيحات التواصل الاجتماعي ضرورة حتمية تقتضيها متطلبات الحوكمة الحديثة. فالخضوع المطلق لأصوات السوشيال ميديا والانصياع التام لما تفرزه من ضجيج لا يُصلح السياسات ولا يُرسّخ الثقة، بل يُغري أصحاب هذا الصخب بالمزيد منه، ويؤكد لهم قناعتهم بأن رفع الصوت وشحذ الاستفزاز هما أنجع الأدوات وأجدى الوسائل. ذلك أن إعطاء هؤلاء قيادة المشهد العام معناه أن الحياة العامة ستُدار بمعيار الضجيج لا بمعيار الحكمة.
ولا يعني ذلك دعوةً إلى تجاهل الفضاء الرقمي أو الانصراف عنه، فهذا ضرب من التقصير في عصر باتت فيه المنصات الرقمية قناةً رئيسية للتواصل المجتمعي. غير أن الحصافة تقتضي التمييز الدقيق بين ما يمثّل حاجة اجتماعية حقيقية تستحق الاستجابة، وبين ما لا يعدو كونه استعراضاً انتهازياً يبحث عن التأثير بالصوت لا بالمضمون.
والمطلوب الدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى امتلاك هذا التمييز ومأسسته، وأن تبني كل جهة لنفسها منهجية واضحة تُحدد بموجبها ما يستوجب التفاعل الجاد مما لا يستحق سوى المرور الهادئ.
إن السوشيال ميديا ليست رأياً عاماً حقيقياً، إنها جزء منفلت منه، مضخّم بتحيزات الخوارزميات وعواصف الانفعال اللحظي.
وحين ندرك هذه الحقيقة وتتعامل معها بوضوح وثقة، فإنها تُرسّخ في المجتمع قيمة مهمة مفادها أن الصواب لا يُقاس بمقدار اللايك، وأن السياسات الرشيدة لا تُصنع في غمرة الضجيج، بل في رحاب التأمل والخبرة والمسؤولية.