ناصر بن فريوان الشراري
لم تعد الحروب والمعارك في عصرنا الراهن تُدار في الميادين العسكرية أو عبر أروقة الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل امتدت شراراتها إلى العالم الرقمي المفتوح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحات لمواجهات فكرية وإعلامية شرسة في هذه الساحات، تُحاك الفبركات، وتُوجّه الحملات الممنهجة، وتُستهدف المقدرات والإنجازات بنعومة خبيثة تقودها أطرافٌ حانقة، تضرر مشروعها أو أوجعها ما تراه من أمنٍ ورغد عيش وتطور وازدهار تشهده المملكة العربية السعودية.
في خضم هذا الضجيج الرقمي واستعار الهجمات عبر منصات مثل «تويتر» و»تيك توك»، برز دور «المغرد السعودي الواعي» ليس كعابر سباق، بل كخط دفاع أول وسياج وطني منيع، إن انخراط المواطن السعودي في هذه المعارك الرقمية لم يكن يوماً مجرد ردود أفعال عفوية أو اندفاعات عاطفية، بل هو «جهاد توعوي ووطني» يستشعر فيه الفرد مسؤوليته التاريخية والمباشرة عن صيانة هيبة وطنه، والدفاع عن رموزه، ودحض الأكاذيب والافتراءات وسط عالم يضج بالفوضى والمعايير المزدوجة.
وهنا تبرز الفلسفة العربية الأصيلة في إدارة الصراعات لحماية الحياض، فالحلم ورصانة الخُلق هما الأصل في التعامل، إلا أن السلوك السويّ يقتضي أحياناً استخدام لغة حازمة ونبرة صارمة تُعيد كل متطاول إلى حجمه الطبيعي، وكما عرّف الشاعر الفذ سعد بن جدلان -رحمه الله- هذه المعادلة في بيته الخالد:
لولا مجننا كلتنا المجانين
وتطمع بنا الجهال لولا جهلنا
ولا يخوفنا هدير البعارين
تخشى جمال القوم هدرة جملنا
إن الفكرة العميقة خلف هذا المفهوم لا تدعو مطلقاً إلى الشطط أو الانزلاق نحو السفاهة، بل تُقرّر قاعدة أزلية في العلاقات وسياسات الأمم: «أن الحلم المفرط في مواجهة السفاهة الممنهجة يُفسَّر ضعفاً، وأن الرصانة المجردة أمام الحاقدين تُطمع بك الجهال»، إن طبيعة المنصات الرقمية وسلوكيات الخصوم فرضت على ابن الوطن أن يتسلح بالأنفة الشديدة والرد المباشر الذي يقطع الأطماع ويُبيّن القوة، فمواجهة الهجمات المسعورة تستدعي في بعض المواقف إظهار القدرة على الردع بلغة صارمة يفهمها الخصم جيداً.
وما يزيد من ضراوة هذه الجبهة الوطنية، أن أشد الحملات وأكثرها حنقاً وسخطاً لم تأتِ فقط من أعداء تقليديين معروفين، بل نبتت للأسف في أحضان مَن مُدّت لهم أيادي الخير والعون، وسُكِبت في بلدانهم المساعدات التنموية والاقتصادية والطبية عبر عقود من الزمن، وقد لخص الشاعر خلف بن هذال مرارة هذا الواقع في أبياتٍ كشفت حقيقة طعنات القريب وما يحيكه الحاقدون من كمائن وتلوّن:
من دون صهيون بذتنا صهاينا
تكفر بالإسلام وتركّز كماينها
الله يا الأنذال يقلع رمسكم عنا
اطماعكم عندنا بانت بواينها
تُعبّر هذه الأبيات ببراعة عن تلك المفارقة المؤلمة، حين ينقلب مَن غُمِر بالإحسان والوقوف معه إلى حاقد يتربص بالبلاد الدوائر، ويتلاقى في أهدافه مع المشاريع المشبوهة ضد دولة لم تُقدم للجوار والأمة إلا الخير والنصرة.
ومع هذه الضغوط الشديدة لمحاولة إخراج الشارع السعودي عن رزانته، تتجلى أصالة هذا الشعب وعمقه الفكري والوجداني، إذ يُفرق المغرد السعودي الواعي جلياً بين «الردع الصارم» و»الإفلاس الأخلاقي»، فهو يخوض معركته بشجاعة الفارس ونخوة العربي، دون أن يفرط في عقيدته السمحة، أو ينزلق إلى سب الشعوب وتعميم الأحكام أو النزول إلى مستنقع الشتائم، إن قوته في الحوار وإفحامه للخصوم يستمدان نفوذهما من أرضية صلبة: حقائق ومواقف تاريخية، وشواهد تنموية، وتلاحم استثنائي وفريد بين القيادة والشعب.
خلاصة القول: إن ما يقوم به أبناء المملكة العربية السعودية في منصات التواصل الاجتماعي هو حراسة سياج الوعي الجمعي، وترسيخ لهيبة دولة تُعد الركيزة الأساسية لثقل المنطقة واستقرارها. وسيظل هذا الشعب المسلم الكريم يمسك بيدٍ مشاعل البناء والنهضة واعتلاء القمم، وباليد الأخرى درع الفطنة والقوة والردع؛ فمن أتاهم بالسلم والعدل وجد أمة تُعين وتسامح وتفي، ومن أتاهم بالتطاول والسفاهة وجد رجالاً يدركون تماماً متى وكيف يُوقفون المتطاول عند حده.