محمد الفايز
السياسة لا تنتظر المتغيرات بل تستبقها، والدول التي تعرف موقعها في معادلات القوة لا تترك مصالحها رهينةً لما يقرره الآخرون، وإنما تبني خياراتها قبل أن تضيق الخيارات، وتتحرك حين يكون للقرار أثره وللتوقيت قيمته.
من هنا يمكن قراءة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية بعيدًا عن حدود التوقيع ومراسم القمة، بوصفها خطوةً تحمل دلالات سياسية وإستراتيجية تتجاوز لحظة الإعلان عنها.
العالم اليوم لا يعيش مرحلة استقرار في موازين القوى، بل مرحلة إعادة تشكيل لها؛ تحالفات تتغير، ومصالح تتقاطع، وأزمات إقليمية تفرض على الدول أن توسع دائرة خياراتها، وأن تبني علاقاتها وفق مصالحها الوطنية وقدرتها على حماية أمنها واستقرارها.
وفي وسط هذه التحولات تمضي المملكة بسياسة تعرف ماذا تريد، وتدرك أن قوة الدولة لا تكمن في تحالف واحد أو خيار واحد، وإنما في قدرتها على تنويع شراكاتها، وتوسيع مساحة حركتها، وبناء علاقات متوازنة مع القوى المؤثرة، مع ثبات مصالحها.
وهنا تأتي أهمية اجتماع السعودية وتركيا وباكستان؛ فالدول الثلاث تمتلك مقومات مختلفة ومتكاملة، من الثقل السياسي والاقتصادي إلى القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية والخبرات الإستراتيجية. وعندما تتحول هذه المقومات إلى تعاون منظم، فإن الأمر لا يتعلق بزيادة عدد الشركاء بقدر ما يتعلق ببناء قدرة أكبر على الردع وحماية المصالح وصناعة التوازن، وهذه هي النقطة الأهم.
فالقوة في السياسة ليست دائمًا في استخدامها، بل في امتلاكها بالقدر الذي يجعل استخدامها أقل احتمالًا، والردع الحقيقي هو أن يعرف الآخر مسبقًا أن ثمن الاعتداء أكبر من مكاسبه، وأن أمن الدول ومصالحها ليست مساحة مفتوحة للمغامرة أو الاختبار.
ومن يقرأ السياسة السعودية يدرك أن المملكة، بما تمثله من قوةٍ وعمقٍ إستراتيجي للعالمين العربي والإسلامي، لا تتحرك بردّات الأفعال، بل بمنطق المبادرة واستباق التحولات؛ فهي توسع شراكاتها شرقًا وغربًا، وتبني قدراتها الوطنية، وتطور صناعاتها الدفاعية، وتحافظ في الوقت نفسه على حضورها السياسي بوصفها دولةً تسعى إلى الاستقرار، وتدرك أن السلام الأكثر رسوخًا هو ذلك الذي تحميه القوة وتدعمه المصالح المشتركة.
وفي ذلك تتجسد حنكة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ قراءةٌ للمستقبل قبل أن يصبح واقعًا، وقرارٌ يعرف توقيته، ورؤيةٌ لا تحصر المملكة في خيارات الآخرين، وإنما تمنحها المساحة لصناعة خياراتها بنفسها.
ولعل اختيار مكة المكرمة لاحتضان هذه القمة وتوقيع الاتفاقية يمنح الحدث دلالة إضافية؛ فالمكان الذي يحمل مكانته في وجدان العالم الإسلامي أصبح شاهدًا على اتفاق يسعى إلى تعزيز الأمن والاستقرار والردع المشترك في منطقة دفعت كثيرًا من أثمان الصراعات والتوترات.
السعودية اليوم لا تبحث عن دورٍ يمنحه لها أحد؛ فهي تمتلك ثقلها ومكانتها وتأثيرها، وما تفعله هو توظيف هذه المكانة لحماية مصالحها وتعزيز أمنها، وبناء عدد من الشراكات التي تؤكد أن القرار السعودي أكثر قوة وتأثيرًا.
وفي عالم يعيد رسم خرائط النفوذ، لا يكفي أن تعرف أين تقف اليوم، بل الأهم أن تعرف أين تريد أن تقف غدًا.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين دولة تنتظر المتغيرات ودولة تستبقها.
فحين تُصنع التوازنات، يكون للتوقيع السعودي معناه.