د.عبدالله الفايز
أصبحت السياحة تدخل مرحلة جديدة مع التطور السريع في وسائل التصوير والبث المباشر والطائرات المسيّرة والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، وهي مرحلة يمكن أن نطلق عليها السياحة المرئية أو السياحة الرقمية. والمقصود بها أن يعيش الإنسان تجربة مشاهدة مكان سياحي أو مدينة أو طبيعة أو موقع تاريخي بصورة حية وعالية الجودة، وأحياناً من خلال تصوير جوي بالدرون أو تقنيات الواقع الافتراضي، من دون أن ينتقل فعلياً إلى ذلك المكان. وقد تبدو الفكرة في ظاهرها مجرد وسيلة للترفيه أو التسويق السياحي، لكنها قد تتحول مع تطور التكنولوجيا إلى عامل مؤثر في سلوك السائح وفي الاقتصاد السياحي نفسه. وهذه الفكرة ليست مجرد افتراض مستقبلي؛ فقد بدأت الدراسات الحديثة تبحث فعلاً في قدرة الواقع الافتراضي على توفير تجارب سياحية مرضية، بل بحثت في إمكانية أن يكون بديلاً أكثر استدامة لبعض أنماط السياحة المادية. كما أظهرت دراسة تحليلية شملت 65 دراسة و16,559 حالة أن تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز يمكن أن تؤثر بصورة مهمة في تجربة السائح، وأن الإحساس بالحضور داخل البيئة الافتراضية يمثل أحد أهم عناصر هذه التجربة. (Taylor الجزيرة Francis Online) ومن هنا يمكن فهم تجربة أخي ومجموعة أصدقائه الذين وجدوا في مشاهدة المواقع السياحية المصورة بطريقة احترافية متعة تكاد تعادل، بالنسبة إليهم، متعة الذهاب إليها. فالسائح التقليدي يدفع ثمن تذكرة الطائرة، ويستخرج التأشيرة، ويحجز الفندق، ويستأجر السيارة، ويتنقل، ويتعامل مع المطاعم والخدمات، ويواجه المطارات والانتظار والازدحام واختلاف الطقس واللغة، وقد يقضي أياماً أو أسابيع ويعود بعد ذلك إلى منزله. أما السائح المرئي فيستطيع خلال ساعات قليلة أن ينتقل من جبال الألب إلى جزر المالديف ثم إلى اليابان أو نيوزيلندا، ويشاهد المناظر والطبيعة والمدن والمواقع التاريخية، وربما يختار زاوية المشاهدة والمسار والوقت، من دون أن يتحمل معظم هذه التكاليف.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة لصناعة السياحة. فإذا تطورت التجربة المرئية إلى درجة يشعر معها جزء من الناس بأنه حصل على «ما يكفيه» من التجربة، فإن جزءاً من الطلب الذي كان يتجه إلى السفر الفعلي قد يتحول إلى الاستهلاك الرقمي. ولا يعني ذلك أن السياحة التقليدية ستختفي، فالإنسان سيظل يرغب في السفر لأسباب كثيرة تتجاوز المشاهدة، مثل التفاعل الاجتماعي، والاستجمام، والمغامرة، والتسوق، وتذوق الطعام، وحضور المناسبات، وممارسة الرياضة، والعلاج، وزيارة الأقارب، والتجارب الثقافية. لكن الجزء الذي يعتمد أساساً على رؤية الأماكن والمناظر قد يكون أكثر عرضة للاستبدال الرقمي. والأمر اللافت أن السياحة المرئية قد تعمل في الاتجاهين؛ فهي يمكن أن تكون بديلاً للسفر لبعض الناس، لكنها يمكن في الوقت نفسه أن تكون وسيلة قوية لجذب آخرين إلى السفر. فالشخص الذي يشاهد مدينة أو منتجعاً أو موقعاً طبيعياً وقد ينبهر به قد يتحول إلى سائح حقيقي. ولهذا فإن المستقبل قد لا يكون صراعاً بين السياحة المرئية والسياحة التقليدية، وإنما نشوء سياحة هجينة يبدأ فيها السائح بالمشاهدة الرقمية، ثم يقرر هل تستحق التجربة أن ينتقل إليها فعلياً. وتؤكد الأبحاث الحديثة أن التجارب الافتراضية وصورة الوجهة يمكن أن تؤثرا في نية السفر الفعلية، وهو ما يعني أن التقنية قد تكون أداة للاستبدال وأداة للترويج في الوقت نفسه. (ScienceDirect). لكن التأثير الاقتصادي المحتمل لا يتوقف عند السائح نفسه. فإذا أصبح جزءا من الناس يفضل المشاهدة على السفر، فإن ذلك يمكن أن ينعكس تدريجياً على شركات الطيران والفنادق ومكاتب السفر والسياحة والنقل السياحي والمطاعم ومراكز الترفيه والمرشدين السياحيين والمتاجر والخدمات المرتبطة بالزوار. فالسائح الذي لا يسافر لا يشتري تذكرة طائرة، ولا يحجز فندقاً، ولا يستأجر سيارة، ولا يتناول عشرات الوجبات في المطاعم المحلية، ولا يشتري الهدايا، ولا يدفع رسوم المواقع والمتاحف، ولا يستخدم وسائل النقل المحلية. وإذا أصبحت هذه الظاهرة واسعة النطاق في بعض أنواع السياحة، فقد تتأثر منظومة اقتصادية كاملة وليس قطاعاً واحداً.
وقد تكون بعض الدول أكثر تعرضاً لهذا التأثير من غيرها، خصوصاً الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على السياحة البصرية والمناظر الطبيعية والمواقع التاريخية ويأتي معظم دخلها السياحي من الزوار الذين يسافرون أساساً لمشاهدة تلك المواقع. أما الدول التي تقدم تجربة متكاملة تجمع الثقافة والطعام والمغامرة والتفاعل الاجتماعي والعلاج والترفيه، فقد تكون أكثر قدرة على المحافظة على السائح الحقيقي؛ لأن الشاشة تستطيع أن تنقل الصورة، ولكنها لا تنقل التجربة المادية بكامل أبعادها. ومع ذلك، يجب ألا نقلل من سرعة التطور التقني. فالفيديو الحالي ليس سوى بداية. عندما تصبح التجارب الافتراضية أكثر واقعية وتفاعلاً، وتندمج مع الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي والصوت المكاني واللمس والمحاكاة ثلاثية الأبعاد والتوائم الرقمية، يمكن أن يصبح الإنسان قادراً على «زيارة» المكان رقمياً بطريقة تختلف جذرياً عن مجرد مشاهدة فيديو على YouTube. قد يختار المستخدم مساره، ويتفاعل مع البيئة، ويحصل على معلومات فورية، ويتحدث مع مرشد رقمي، ويشاهد المكان في أوقات مختلفة، بل وربما يشارك أشخاصاً آخرين في الرحلة الافتراضية نفسها.
وهنا يرتبط الموضوع مباشرة بما طرحته بإسهاب في كتابي «الحياة في مدن المستقبل الذكية (دار كيان للنشر)» إذ إن مستقبل المدن لن يعتمد فقط على انتقال الإنسان إليها، وإنما على قدرتها على تقديم جزء من وظائفها وتجاربها رقمياً. فالمدينة المستقبلية ستكون موجودة في صورتين متداخلتين: مدينة مادية يعيش فيها السكان والزوار، ومدينة رقمية يمكن الدخول إليها والتفاعل معها عن بعد. وهذا التحول قد يغير مفهوم الموقع الجغرافي نفسه، لأن بعض الخدمات والأنشطة التي كانت تتطلب وجود الإنسان في المكان ستصبح قابلة للاستهلاك عن بعد. وقد يمتد هذا التحول إلى مفهوم السفر نفسه. فحتى السفر المادي بدأ بالفعل في الانتقال من نموذج الوثائق الورقية إلى نموذج الهوية الرقمية. وتعمل صناعة الطيران، من خلال مبادرة One ID التابعة للاتحاد الدولي للنقل الجوي IATA، على تطوير سفر يعتمد على الهوية الرقمية والقياسات الحيوية بحيث يستطيع المسافر، بعد استكمال متطلبات السفر مسبقاً، المرور عبر نقاط متعددة في المطار باستخدام هويته الرقمية وبياناته الحيوية بدلاً من إبراز الوثائق بصورة متكررة. وفي أبريل 2026 أعلنت IATA أن تجارب عملية أثبتت إمكانية السفر الدولي غير التلامسي باستخدام الهوية الرقمية والقياسات الحيوية، مع بقاء التوسع العالمي مرتبطاً بتوافق الحكومات والمعايير الدولية. (IATA)
وهذا يقود إلى تصور أكثر جرأة لمستقبل السفر. ففي كتاب Life in Future Smart Cities طرحت تصوراً بأن السفارات، مع تطور الهوية الرقمية والأنظمة الحكومية المترابطة، قد تتقلص وظائفها التقليدية تدريجياً في بعض أنواع الخدمات، وقد تصبح أجزاء كبيرة من إجراءات التأشيرات والتصاريح والخدمات القنصلية إلكترونية بالكامل. ولا يعني ذلك اختفاء السفارات بالضرورة، وإنما تحولها من مكاتب لإجراءات ورقية إلى مراكز دبلوماسية وأمنية وخدمية أكثر تخصصاً. أما الحصول على التأشيرة فقد يصبح في المستقبل إجراءً رقمياً يتم قبل الرحلة، وتصبح صلاحية دخول الدولة مرتبطة بهوية رقمية موثوقة. ويمكن أن يذهب هذا التطور أبعد من ذلك في المستقبل البعيد. فبدلاً من أن يحمل الإنسان جواز سفر أو حتى هاتفاً، قد تصبح هويته الرقمية مرتبطة بتقنية حيوية أو شريحة آمنة داخل جسم الإنسان، بحيث تتعرف البوابات الذكية على الشخص وتتحقق من هويته وحقه في الدخول دون الحاجة إلى إظهار وثائق مادية. هذا تصور مستقبلي وليس نظاماً عاماً قائماً اليوم، لكنه يمثل اتجاهاً منطقياً إذا استمرت تقنيات الهوية الرقمية والقياسات الحيوية في التطور. أما الاتجاه القائم فعلياً اليوم فهو نحو المحافظ الرقمية، وجوازات السفر الرقمية، والوثائق القابلة للتحقق، والتعرف الحيوي، وليس نحو إلزام المسافرين بشرائح مزروعة. وقد أكدت IATA أن تقنيات الهوية الرقمية والقياسات الحيوية أصبحت قابلة للتطبيق، بينما ما زال التوسع الدولي يتطلب أطر ثقة وتوافقاً قانونياً وتقنياً بين الدول. (IATA)
وعندما نجمع هذه التطورات مع السياحة المرئية، فإننا أمام تحول أكبر من مجرد تغيير طريقة السفر. نحن أمام احتمال إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان. ففي الماضي كان المكان يفرض نفسه على الإنسان؛ لكي يرى باريس كان عليه أن يذهب إلى باريس، ولكي يرى جبالاً بعيدة كان عليه أن يسافر إليها. أما في المستقبل فقد يصبح المكان متاحاً للإنسان أينما كان، ثم يصبح السفر إليه اختياراً للحصول على التجربة المادية وليس شرطاً للحصول على المعرفة البصرية. وهذا قد يؤدي إلى إعادة هيكلة صناعة السياحة العالمية. شركات الطيران قد تضطر إلى التركيز بصورة أكبر على الرحلات التي تقدم قيمة يصعب استبدالها رقمياً، ومكاتب السياحة قد تتحول من بيع الرحلات التقليدية إلى تصميم تجارب سياحية هجينة تجمع بين العالم الرقمي والمادي، والمطاعم قد تصبح جزءاً من التجربة الافتراضية من خلال توصيل الطعام المرتبط بالوجهة، والمتاحف والمواقع التاريخية قد تقدم زيارات رقمية مدفوعة، وشركات الترفيه قد تنتقل من استقبال الزائر في موقع واحد إلى تقديم التجربة نفسها عالمياً عبر المنصات الرقمية.
وقد نشهد أيضاً ظهور «السائح الرقمي المدفوع»، وهو شخص لا يسافر إلى الدولة لكنه يدفع مقابل تجربة رقمية عالية الجودة. وهنا لا تختفي القيمة الاقتصادية للسياحة، وإنما تنتقل جزئياً من الاقتصاد المكاني إلى الاقتصاد الرقمي. بدلاً من أن يكون الدخل السياحي مرتبطاً حصراً بعدد الأشخاص الذين يدخلون الدولة، يصبح مرتبطاً أيضاً بعدد الأشخاص الذين «يدخلون إليها رقمياً». وهذا يفتح مجالاً جديداً للدول والمدن لبيع تجاربها وثقافتها وتراثها ومناظرها الطبيعية للعالم دون الحاجة إلى استقبال جميع المستهلكين مادياً. ومن الجانب البيئي، يمكن أن يكون لهذا التحول فوائد مهمة. فالسفر الجوي والنقل والإقامة والاستهلاك السياحي لها بصمة بيئية، ولذلك فإن انتقال جزء من الطلب إلى التجارب الرقمية يمكن أن يقلل بعض الانبعاثات والضغط على المواقع الطبيعية والمدن المكتظة. وقد بحثت الدراسات بالفعل في الواقع الافتراضي باعتباره أحد الخيارات الممكنة لتوفير تجارب سياحية أكثر استدامة، وإن كان ذلك لا يعني أن السياحة الافتراضية خالية تماماً من الأثر البيئي بسبب استهلاك الطاقة ومراكز البيانات والأجهزة والشبكات. (Taylor الجزيرة Francis Online) لذلك فإنني لا أرى أن السياحة المرئية ستقتل السياحة التقليدية، وإنما ستعيد توزيعها وإعادة تعريفها. وربما تصبح السياحة التقليدية في المستقبل أكثر قيمة لأنها ستتحول من مجرد «مشاهدة مكان» إلى «عيش تجربة لا يمكن للشاشة أن تقدمها». وفي المقابل ستصبح السياحة المرئية الخيار المناسب لمن يريد المعرفة والاستكشاف والترفيه بتكلفة منخفضة، أو لمن لا يستطيع السفر، أو لمن يرى أن مشقة السفر لا تستحقها تجربة يمكن الحصول على جزء كبير منها رقمياً.
إن التحول الحقيقي إذن ليس من السياحة التقليدية إلى السياحة المرئية، بل من اقتصاد السفر إلى اقتصاد التجربة. وفي هذا الاقتصاد لا يكون الانتقال الجغرافي هو المعيار الوحيد، بل تصبح جودة التجربة وإمكانية الوصول إليها وقيمتها بالنسبة للإنسان هي الأساس. وهذا يتوافق مع الرؤية الأوسع التي أطرحها في أعمالي حول مدن المستقبل والعمران الرقمي؛ فالمدينة الذكية في المستقبل لن تكون فقط مدينة تستخدم التكنولوجيا لإدارة المرور والطاقة والخدمات، بل مدينة تستطيع أن تمد وجودها إلى العالم الرقمي، وتبيع المعرفة والثقافة والتجربة والخدمات خارج حدودها الجغرافية. ومن هنا يمكن القول إن السياحة المرئية ليست مجرد تسلية جديدة أمام شاشة، بل قد تكون مقدمة لتحول هيكلي في صناعة السياحة والسفر والمدن والاقتصاد العالمي. وربما يأتي وقت يصبح فيه السفر الجوي اختياراً لتجربة المكان، وليس الوسيلة الوحيدة لرؤيته، وتصبح التأشيرة رقمية، والهوية رقمية، والدخول عبر بوابات ذكية، والسفارات أقل اعتماداً على الإجراءات الورقية، وفي المقابل يستطيع الإنسان أن «يزور» آلاف الأماكن دون أن يغادر منزله. عندها لن يكون السؤال: «هل ستختفي السياحة؟»، وإنما: كيف ستعيد السياحة تعريف نفسها عندما يصبح العالم كله قابلاً للزيارة رقمياً؟