د. يحيى جابر
الشاشة وحدها ليست التي تصنع المذيع التلفزيوني، ولا الصورة وحدها هي التي تمنحه الحضور، فهناك عنصر آخر بالغ الأهمية، هو الصوت بكل ما يحمله من طبقة ونبرة وإيقاع وسرعة ووقفات وتنفس وانفعالات، والصوت في العمل الإعلامي ليس مجرد وسيلة لإخراج الكلمات، وإنما نظام متكامل يحمل المعنى ويمنح الجملة شخصيتها ويؤثر في الطريقة التي يستقبل بها الجمهور الرسالة، وتؤكد الدراسات الحديثة أن الخصائص الصوتية يمكن قياسها وتحليلها وربطها بإدراك المستمع لصفات المتحدث، ففي دراسة كمية منشورة عام 2020م، حلل شون نيسن وكوينت راندل وجاريد جونسون وجيني لينز 450 عينة صوتية من تقديمات ومداخلات لـ90 مذيعاً ومراسلاً تلفزيونياً من أسواق إعلامية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وركز الباحثون على متوسط طبقة الصوت، وتغيراتها، ومدى اتساعها، ووجدوا أن المذيعين الرجال استخدموا في المتوسط طبقة صوت أعلى وتغيراً أكبر في الطبقة ومدى صوتياً أوسع مقارنة بالمتحدثين العاديين، بينما تحدثت المذيعات بمتوسط طبقة أقل قليلاً من النساء في عموم السكان، مع احتفاظهن أيضاً بدرجة أكبر من التنوع والمدى الصوتي، وهذه النتيجة مهمة لأنها تهدم الفكرة التقليدية التي تقول إن المذيع الناجح يجب أن يمتلك صوتاً عميقاً ومنخفضاً وثابتاً، فالدراسة تشير إلى أن الصوت الإعلامي المميز يقوم بدرجة كبيرة على التحكم والتنوع، وليس على الانخفاض وحده، «المصدرـ شون نيسن، كوينت راندل، جاريد جونسون، جيني لينز، «العناصر التنغيمية لتقديم المحتوى في الصحافة الإذاعية: دراسة كمية لطبقة الصوت»، مجلة الصوت، المجلد الرابع عشر، العدد الثاني، 2020م، الولايات المتحدة الأمريكية».
وقد نشر البحث في دورية علمية متخصصة، وهو من الأدلة التي تنقل دراسة الصوت الإعلامي من مجال الانطباع الشخصي إلى مجال القياس والتحليل، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للمذيع، فالمشاهد لا يستمع إلى الكلمات وحدها، وإنما يستمع إلى الطريقة التي تصل بها الكلمات إليه، ولذلك يمكن النظر إلى الصوت باعتباره «الموسيقى الخفية» للكلام، ليس لأنه موسيقى بالمعنى التقليدي، وإنما لأن داخل الكلام إيقاعاً وتوزيعاً زمنياً وتغيراً في الطبقة والشدة والتنغيم، والجملة الواحدة يمكن أن تتغير قوتها النفسية والإعلامية إذا تغيرت سرعة إلقائها أو موضع الوقفة أو نهايتها الصوتية، ولذلك فإن المذيع الذي يقرأ جميع الجمل بإيقاع واحد يحول النص إلى مادة مسموعة متشابهة، مهما كانت المعلومات التي يحملها النص مهمة، بينما يستطيع المذيع المتمكن أن يجعل لكل فكرة وزناً صوتياً مناسباً، فيسرع حيث تقتضي طبيعة المعلومات، ويبطئ عند المعلومة التي تحتاج إلى استيعاب، ويستخدم الوقفة عندما يريد توجيه الانتباه، ويغير النبرة عندما ينتقل من خبر إلى تفسير أو من معلومة إلى تعليق، وهذه ليست زخرفة صوتية، وإنما جزء من عملية تحرير الرسالة نفسها، ورأيي أن المذيع الذي لا يملك هذه القدرة قد يكون قارئاً جيداً للنص، لكنه لم يتحول بعد إلى صانع أداء إعلامي، وتكشف دراسة مهمة في علم الإقناع عن العلاقة بين خصائص الصوت وإدراك الثقة، فقد أجرى جوشوا غاير ولياندرا فابريغار وتوماس فون جونستون 3 تجارب علمية، شارك في الأولى 394 شخصاً، وفي الثانية 412، وفي الثالثة 397، ودرست التجربة الأولى سرعة الكلام والتنغيم، بينما درست التجربتان الثانية والثالثة طبقة الصوت، ووجد الباحثون أن سرعة الكلام والتنغيم وطبقة الصوت أثرت في الإدراك العام لثقة المتحدث، وأن هذه الثقة الصوتية يمكن أن تؤثر في الاتجاهات نحو الرسالة بطرق تختلف بحسب مقدار التفكير الذي يبذله المتلقي، فعندما يكون المتلقي أكثر انخراطاً في التفكير يمكن أن تؤثر الثقة الصوتية في تقييم الأفكار نفسها، وعندما يكون التفكير أقل عمقاً يمكن أن تعمل الثقة الصوتية بوصفها إشارة سريعة يعتمد عليها المتلقي في تكوين موقفه، «المصدرـ جوشوا غاير، لياندرا فابريغار، توماس فون جونستون، «سرعة الكلام والتنغيم وطبقة الصوت: دراسة في انحيازات وإشارات الثقة الصوتية في الإقناع»، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، المجلد الخامس والأربعن، العدد الثالث، 2019م، جامعة كوينز، كندا».
وهذا يقودنا إلى قاعدة مهمة جداً في الأداء التلفزيوني، وهي أن سرعة الكلام ليست مجرد صفة شخصية، وإنما أداة إعلامية، فالمذيع لا ينبغي أن يسأل نفسه، هل أنا سريع أم بطيء؟ بل يسأل، ما السرعة التي تخدم هذه المعلومة؟ فالخبر العاجل يحتاج إلى حيوية ووضوح دون هلع، والنشرة الاقتصادية تحتاج إلى ثبات يساعد المشاهد على متابعة الأرقام والمصطلحات، والتقرير الإنساني يحتاج إلى مساحة زمنية تسمح للمعنى والمشاعر بالوصول، أما الحوار فيحتاج إلى سرعة مرنة تسمح للمذيع بأن يسأل ويستمع ويتدخل في الوقت المناسب، ولذلك فإن أفضل المذيعين ليسوا أصحاب سرعة واحدة، وإنما أصحاب قدرة على تغيير السرعة دون أن يفقدوا السيطرة على مخارج الحروف والمعنى، وقد أظهرت تجربة غاير وزملائه أن التلاعب بسرعة الكلام والتنغيم وحدهما يمكن أن يغير إدراك الثقة، وهذا يجعل السرعة جزءاً من صناعة الانطباع لا مجرد عادة نطقية، «المصدرـ غاير وفابريغار وفون جونستون، 2019م».
أما طبقة الصوت، فهي من أكثر العناصر التي تعرضت للفهم الخاطئ في تدريب المذيعين، إذ يعتقد بعض المتدربين أن النجاح يبدأ من خفض الصوت إلى أقصى درجة ممكنة، وكأن الصوت العميق وحده دليل على القوة والثقة، بينما تكشف الأبحاث أن العلاقة أكثر تعقيداً من ذلك، فالدراسة التي حللت 450 عينة صوتية لـ90 مذيعاً ومراسلاً لم تجد أن جميع المذيعين الناجحين يستخدمون طبقة منخفضة، بل وجدت لدى المذيعين الرجال متوسط طبقة أعلى وتغيراً ومدى أكبر مقارنة بالمتحدثين العاديين، ما يشير إلى أهمية الحركة داخل الطبقة الصوتية، «المصدرـ نيسن وزملاؤه، 2020م»، ومن هنا أرى أن السؤال الصحيح ليس «كيف أجعل صوتي عميقاً؟» وإنما «كيف أجعل صوتي قابلاً للتحكم؟»، فالتحكم أهم من العمق، والمرونة أهم من الثبات، والوضوح أهم من الجمال، والمذيع الذي يستطيع الانتقال من نبرة تقريرية إلى نبرة حوارية ثم إلى نبرة إنسانية دون افتعال يمتلك ثروة صوتية أكبر من مذيع لا يملك إلا طبقة واحدة مهما كانت جميلة، ولذلك يجب أن يتعلم المذيع استخدام الطبقة باعتبارها أداة للتمييز بين المعاني، لا باعتبارها وسيلة لإظهار القوة، والوقفات عنصر آخر غالباً ما يُهمل في تدريب المذيعين، مع أنها من أكثر الأدوات تأثيراً في تنظيم انتباه الجمهور، فالوقفة ليست فراغاً في الكلام، وإنما مساحة تمنح العقل فرصة لاستقبال المعلومة، وقد تكون الوقفة قبل الرقم المهم أقوى من رفع الصوت، وقد تكون الوقفة بعد الجملة الإنسانية أكثر تأثيراً من إضافة كلمات جديدة، ولذلك فإن المذيع المحترف لا يخاف من الصمت القصير، بل يوظفه، والمذيع الضعيف يحاول غالباً ملء كل لحظة بالصوت، أما المذيع الواثق فيعرف أن بعض المعاني تحتاج إلى أن تترك أثراً قبل الانتقال إلى الجملة التالية، وقد تناولت أبحاث الصوت الإذاعي زمن الوقفات ومدة العبارات المنطوقة بوصفها من المؤشرات الصوتية والزمنية التي يمكن تحليلها، ما يؤكد أن الجانب الزمني من الأداء ليس أمراً هامشياً، «المصدرـ سامانثا وارهيرست وزملاؤها، «التحليلات الإدراكية والصوتية لجودة الصوت الجيد لدى مؤدي الإذاعة الذكور»، مجلة الصوت، 2017م».
وتأتي مخارج الحروف والوضوح في مرتبة لا تقل أهمية عن الطبقة والتنغيم، لأن الصوت مهما كان جميلاً لا يستطيع أداء وظيفته إذا ضاعت الكلمات، والمذيع العربي تحديداً يحتاج إلى عناية أكبر بالنطق، لأن اللغة العربية تحتوي على حروف ذات خصائص صوتية متقاربة يمكن أن تتأثر بالسرعة أو ضعف النطق، ولذلك فإن التدريب الحقيقي لا يبدأ من محاولة تقليد صوت مذيع آخر، وإنما يبدأ من معرفة نقاط الضعف الخاصة بالمذيع نفسه، فقد يكون أحدهم بحاجة إلى تحسين مخارج الحروف، بينما يحتاج آخر إلى ضبط السرعة، ويحتاج ثالث إلى زيادة التنوع في الطبقة، ويحتاج رابع إلى التخلص من الرتابة، وهنا تصبح فكرة «الصوت الجميل» أقل أهمية من فكرة «الصوت المناسب»، وهو ما تؤكده دراسة منشورة في مجلة الصوت عام 2017م، إذ وجدت أن تقييم جودة الصوت الإذاعي ليس قالباً واحداً، وأن الأصوات الاحترافية نفسها متنوعة، وأن بعض المؤشرات الصوتية والزمنية استطاعت التنبؤ بدرجة متوسطة بفئات جودة الصوت، بينما بقي الحكم على بعض الأصوات أكثر تعقيداً، «المصدرـ وارهيرست، ماديل، مكابي، تيرنستروم، ييو، هيرد، 2017م»،
واللافت في هذه الدراسة أن الباحثين لم يكتفوا بالقول إن هناك «صوتاً جيداً»، بل وضعوا أصوات 24 مؤدياً إذاعياً من الرجال مقابل 24 شخصاً من غير المؤدين، ثم استمع 51 مستمعاً إلى التسجيلات وقاموا بتقييمها، وأظهرت النتائج أن 14 صوتاً من أفضل 15 صوتاً صنفها المستمعون ضمن فئة الأصوات الجيدة للإذاعة كانوا من المؤدين الإذاعيين، كما تمكنت بعض القياسات الصوتية من التنبؤ بالفئة بدرجة متوسطة بلغت نحو 33 %، وهي نتيجة مهمة لأنها توضح أن جودة الصوت يمكن تحليل بعض جوانبها علمياً، لكنها في الوقت نفسه ليست رقماً واحداً يمكن اختزاله في طبقة أو شدة أو سرعة، «المصدرـ وارهيرست وزملاؤها، مجلة الصوت، 2017م».
وهنا يظهر عنصر جديد شديد الأهمية، وهو «التحمل الصوتي»، فالمذيع المحترف لا يستخدم صوته لدقائق معدودة فقط، بل قد يعمل ساعات طويلة في الاستديو أو في التغطيات الخارجية، وقد يقدم نشرات متتابعة أو حوارات طويلة أو تقارير ميدانية، ولذلك فإن الصوت الإعلامي الناجح يجب أن يكون قادراً على أداء الوظيفة دون أن يتحول إلى عبء على صاحبه، فالقوة الصوتية ليست الصراخ، والجهارة ليست رفع مستوى الصوت باستمرار، وإنما القدرة على إنتاج صوت واضح ومسموع ومريح مع المحافظة على جودة الأداء، ولهذا ينبغي أن يتضمن تدريب المذيعين تدريبات على التنفس، والاقتصاد في الجهد، وضبط الجمل الطويلة، وتجنب الضغط غير الضروري على الحنجرة، وتوزيع الطاقة الصوتية على الفقرة بدلاً من استنزافها في الجملة الأولى، ويأتي التنفس بوصفه «المحرك الصامت» للأداء الصوتي، فالمشاهد لا يرى عملية التنفس، لكنه يسمع نتائجها، وعندما ينفد الهواء في نهاية الجملة يضطر المذيع إلى الإسراع أو خفض وضوحه، وقد تظهر علامات التوتر في صوته، بينما يساعد التنفس المنظم على بناء جمل أكثر استقراراً، ولذلك فإن تدريب المذيع على التنفس لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن التدريب على القراءة، بل يجب أن يتعلم أين يأخذ النفس، وكيف يقسم الجملة، وكيف يتجنب التنفس في موضع يفسد المعنى، وكيف يحافظ على استقرار الصوت عند نهاية الجملة، ورأيي أن كثيراً من مشكلات الأداء التي يظن المذيع أنها مشكلات في صوته قد تكون في الحقيقة مشكلات في إدارة الهواء، أما الميكروفون، فهو شريك المذيع وليس بديلاً عنه، وقد أحدثت تقنيات التسجيل الحديثة قدرة كبيرة على تحسين الوضوح وتقليل الضوضاء ومعالجة بعض العيوب، لكن التقنية لا تستطيع أن تمنح المذيع تنغيمه الصحيح، ولا تستطيع أن تحدد له موضع الوقفة المناسبة، ولا أن تجعله طبيعياً إذا كان أداؤه مصطنعاً، بل إن الميكروفون قد يكشف بعض العيوب أكثر مما يخفيها، ولذلك ينبغي للمذيع أن يتعلم العلاقة بين المسافة من الميكروفون، واتجاه الصوت، وشدة الأداء، وطبيعة المكان، وأن يدرك أن الصوت الذي يبدو مناسباً في سماعة الاستديو قد يحتاج إلى تعديل عند البث التلفزيوني أو التسجيل الخارجي أو المنصات الرقمية، وتزداد أهمية هذه المهارة في عصر المحتوى الرقمي، لأن المذيع لم يعد مرتبطاً بالاستديو فقط، فقد يظهر في مقطع قصير، أو مقابلة هاتفية، أو بث مباشر، أو تقرير ميداني، أو تسجل صوتي، أو منصة اجتماعية، وكل بيئة تفرض شروطاً مختلفة على الصوت، وهذا يعني أن المذيع الناجح في العصر الحديث يحتاج إلى «مرونة صوتية» تسمح له بالحفاظ على هويته مع تعديل الأداء وفق الوسيط والجمهور والرسالة، فالأسلوب الذي يصلح لنشرة أخبار رسمية قد لا يكون هو الأسلوب الأفضل لمقطع توعوي قصير، والصوت الذي يناسب حواراً تلفزيونياً قد يحتاج إلى قدر أكبر من الطاقة في تغطية ميدانية خارجية، والكاريزما الصوتية نفسها لا تعني رفع الصوت أو استخدام طبقة منخفضة، بل هي قدرة على جعل الصوت يحمل شخصية المتحدث، وتؤكد دراسة حديثة منشورة عام 2025م حول «صوت المحاضر الكاريزمي» هذا الاتجاه؛ فقد حلل الباحثون مقاطع صوتية لـ200 محاضر ناطق باللغة الإنجليزية، وقيمها 900 طالب وفق مقاييس للكاريزما، ثم حللوا خصائص صوتية مرتبطة بثلاثة أبعاد رئيسية هي طبقة الصوت والإيقاع وشدة الصوت، واستخدموا نماذج تعلم آلي لتحديد الخصائص الأكثر ارتباطاً بتوقع مستويات الكاريزما، ووجدوا أن أنماط الخصائص الصوتية المرتبطة بالكاريزما تختلف بحسب العلاقة بين المتحدث والمستمع، وأن طبقة الصوت والإيقاع وشدة الصوت جميعها يمكن أن تدخل في بناء الانطباع عن الحضور الكاريزمي، «المصدرـ تال كاتز نافون، فيرد أهرونسون، أفِياد مالاخي، «صوت المحاضر الكاريزمي: نماذج تعلم آلي قابلة للتفسير»، المجلة الدولية للمنهجية التعليمية، المجلد 11، العدد 4، 2025م، الصفحات 479ـ493»، وهذه النتيجة تفتح أمام المؤسسات الإعلامية باباً جديداً في تدريب المذيعين، فلم يعد من الضروري أن يعتمد المدرب على عبارات عامة مثل «صوتك يحتاج إلى قوة» أو «خفّض صوتك» أو «تحدث ببطء»، وإنما يمكن الانتقال إلى التدريب القائم على التسجيل والتحليل والمقارنة، فيسجل المذيع النص نفسه عدة مرات، ثم يقارن بين السرعة، وعدد الوقفات، والتغير في الطبقة، ووضوح الكلمات، وشدة الصوت، وطول الجمل، والتنفس، ثم يستمع إلى التسجيل بوصفه مستمعاً لا مذيعاً، وهذه الخطوة مهمة لأن المذيع أثناء الأداء يكون منشغلاً بالنص والكاميرا والمخرج والزمن، بينما يستطيع بعد التسجيل أن يسمع عيوبه بموضوعية أكبر، ويمكن للمؤسسات الإعلامية أن تنشئ مختبرات صوتية صغيرة تعتمد على التسجيل والتحليل الطيفي والقياسات الصوتية، لا بهدف تحويل المذيع إلى آلة رقمية، وإنما بهدف إعطائه مرآة علمية لأدائه، ومن أهم التدريبات العملية أن يقرأ الذيع الخبر نفسه بثلاثة أساليب، الأول بأسلوب محايد، والثاني بتنوع تنغيمي، والثالث بتوزيع مقصود للوقفات، ثم يعرض التسجيلات على مجموعة صغيرة من المستمعين دون إخبارهم بهوية التسجيل، ويسألهم عن الوضوح والثقة والطبيعية والحضور، وبعد ذلك يقارن النتيجة بالتحليل الصوتي، وهنا تتحول عملية التدريب من «أشعر أن صوتي أفضل» إلى «أستطيع أن ألاحظ الفرق وأقيسه»، وهذه الطريقة أكثر فائدة من تقليد الأصوات الشهيرة، لأن الهدف ليس صناعة نسخة ثانية من مذيع موجود، وإنما اكتشاف الشخصية الصوتية الخاصة بكل مذيع، كما أن الاستماع إلى الذات من أهم أدوات بناء الهوية الصوتية، والمذيع الذي لا يسمع تسجيلاته باستمرار قد لا يكتشف الكلمات التي يكررها، أو الحروف التي يضعفها، أو السرعة التي تزداد عند التوتر، أو ارتفاع صوته في نهاية الجمل، أو الوقفات التي يستخدمها بلا سبب، ولذلك فإن التسجيل اليومي لمدة قصيرة يمكن أن يكون أكثر فائدة من تدريب طويل غير منتظم، ويمكن للمذيع أن يحتفظ بسجل صوتي شهري يقارن فيه أداءه، فيلاحظ التطور في وضوح النطق، والثبات، والمرونة، والقدرة على التعبير، وهذه الممارسة تجعل التدريب عملية تراكمية وليست محاولة مؤقتة قبل الظهور على الهواء، ومن الأخطاء الشائعة أيضاً أن يحاول المذيع صناعة شخصية صوتية لا تشبه شخصيته الحقيقية، فيخفض صوته بطريقة مصطنعة، أو يضيف خشونة غير طبيعية، أو يبالغ في البطء، أو يستخدم الوقفات في كل جملة، أو يرفع صوته في كل معلومة مهمة، فيتحول الأداء من الاحتراف إلى التمثيل، والطبيعية هنا لا تعني العفوية المطلقة، وإنما تعني أن يصبح التدريب جزءاً من شخصية المذيع حتى لا يشعر المشاهد بأنه يرتدي صوتاً مختلفاً أمام الكاميرا، والجمهور يستطيع في كثير من الأحيان اكتشاف التصنع، ولذلك فإن أفضل صوت إعلامي ليس الصوت الأكثر غرابة، بل الصوت الأكثر صدقاً واتزاناً وقدرة على خدمة الرسالة، وهذا يقودنا إلى مفهوم «الهوية الصوتية»، فكما تمتلك المؤسسات الإعلامية هوية بصرية من الألوان والشعار والخطوط، يستطيع المذيع أن يمتلك هوية صوتية تتكون من مجموعة متناسقة من الخصائص، مثل طبيعة النبرة، وطريقة الانتقال بين الجمل، ومستوى السرعة، ومدى التنغيم، واستخدام الوقفات، وطريقة التأكيد على الكلمات، وهذه الهوية لا تعني تكرار الأداء نفسه في كل مناسبة، وإنما تعني وجود شخصية يمكن للجمهور التعرف إليها حتى عندماتغير طبيعة المحتوى، ولذلك فإن بعض الأصوات تبقى في ذاكرة الجمهور سنوات طويلة، لا لأنها كانت الأجمل بالضرورة، وإنما لأنها أصبحت مرتبطة لديه بطريقة معينة في تقديم الأخبار والأحداث والحوارات، وفي رأيي أن هذه النقطة تحديداً هي التي تفرق بين «الصوت المميز» و«الصوت الجميل»، فالصوت الجميل قد يجذب الانتباه في المرة الأولى، أما الصوت المميز فيبني علاقة مع الجمهور عبر الزمن، والصوت المميز يحتاج إلى وضوح وصدق وتنوع وثبات وقدرة على التعبير، ولذلك فإن المذيع الذي يمتلك خامة صوتية عادية لكنه يتقن أدوات الأداء قد يتفوق على صاحب الصوت الجميل الذي لا يعرف كيف يستخدمه، وهذه خلاصة تدعمها الدراسات التي توضح أن جودة الصوت الإذاعي ليست خاصية واحدة، وأن المذيعين المحترفين أنفسهم متنوعون، وأن الحكم على الصوت الجيد يرتبط بمجموعة من الخصائص والسياق وطبيعة المادة المقدمة، المصدر: وارهيرست وزملاؤها، مجلة الصوت، 2017م، أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بإعادة النظر في اختبارات اختيار المذيعين، فلا ينبغي أن يكون الاختبار قائماً على الصورة وحسن المظهر وسلامة اللغة فقط، بل يجب أن يتضمن اختباراً للصوت في حالات مختلفة، قراءة خبر عاجل، تقديم تقرير إنساني، قراءة أرقام ومعلومات اقتصادية، إجراء مقابلة، طرح سؤال صعب، التعامل مع إجابة مفاجئة، والتحدث أمام الكاميرا دون نص، لأن المذيع الحقيقي لا يظهر في القراءة وحدها، وإنما يظهر عندما يتغير الموقف، وعندما يتعرض للضغط، وعندما يحتاج إلى اتخاذ قرار صوتي سريع، وهنا تظهر المرونة والكاريزما والقدرة على التحكم، وفي عالم تتنافس فيه القنوات والمنصات على ثانية واحدة من انتباه المشاهد، قد تكون تلك الثانية هي الفارق بين مذيع يُسمع صوته ومذيع يُصغي إليه الجمهور، وبين صوت يمر عبر الأذن وصوت يستقر في الذاكرة، فالموسيقى الصوتية للمذيع ليست موسيقى تعزف في الخلفية، وإنما هي الإيقاع الذي يسكن داخل الكلمة نفسها، في السرعة والبطء، والارتفاع والانخفاض، والتنغيم والوقفة والتنفس، والمذيع الناجح لا يبحث عن صوت مثالي موجود عند الآخرين، بل يبحث عن أفضل نسخة ممكنة من صوته هو، وكم هي موهبة ونعمة من الله أن يمتلك الإنسان صوتاً إذاعياً مميزاً، لكن الموهبة لا تكتمل إلا بالعلم والتدريب والممارسة، ومن يمتلك هذه الميزة عليه أن يطورها ويقويها ويحافظ عليها، لأنها مكسب مهني كبير لأي منصة إعلامية، بلمكن أن تصبح جزءاً من هويته الشخصية وقيمته السوقية، وحتى لو قرر أن يعمل في منصة إعلامية خاصة به، فإن صوته قد يكون أحد أهم عناصر العلامة الإعلامية التي يحملها معه أينما ذهب.
أخيراً:المذيع الذي يجمع بين المعرفة والصوت والكاريزما واللغة والحضور لا يقرأ الخبر فقط، وإنما يمنحه إيقاعاً وشخصية وذاكرة، ولا ينقل الرسالة فحسب، وإنما يبني علاقة طويلة المدى مع الجمهور.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام