د. سالم بن محمد آل جفشر
في عهد الملك سلمان وبدعم ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- شهد الإعلام السعودي تحولاً واسعاً في أدواته ومحتواه وسرعة وصوله. ولم يعد الخبر ينتظر موعد النشرة أو صدور الصحيفة، بل أصبح يصل لحظة وقوعه عبر المنصات الرقمية والبث المباشر والمحتوى المرئي والمسموع. كما تحولت حسابات الجهات الحكومية إلى قنوات تفاعلية تقدم الخبر وتشرح القرار وتستقبل الملاحظة وتجيب عن الاستفسار.
ولم يقتصر هذا التطور على انتقال المحتوى من الورق والشاشة إلى الهاتف المحمول، بل امتد إلى صناعة الرسالة الإعلامية ذاتها. فأصبح الإعلام يعتمد على البيانات والرسوم التوضيحية والمقاطع القصيرة والبث الحي واللغات المتعددة للوصول إلى فئات أوسع. كما أتاحت المنصات الرقمية معرفة احتياجات الجمهور وتصحيح المعلومات بسرعة مما أسهم في بناء خطاب أكثر قرباً ووضوحاً واستجابة.
وهنا تلتقي صناعة الإعلام بتطوير الخدمات الحكومية. فالخدمة الرقمية مهما بلغت جودتها تحتاج إلى رسالة واضحة تعرف بها وتشرح خطواتها وتبني الثقة حولها. والإعلام لم يعد ناقلاً للقرار فقط بل أصبح شريكاً في توعية المستفيد وقياس تفاعله ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة. ولذلك فإن نجاح الحكومة الرقمية يبدأ من خدمة سهلة ويكتمل باتصال مؤسسي صادق يجعل المعلومة مفهومة ومتاحة في الوقت المناسب.
وقد انعكس هذا التكامل على حياة الناس عبر منصات تقدم الخدمات الصحية والتعليمية والعدلية والبلدية والأمنية وخدمات قطاع الأعمال. فأصبح إنجاز المعاملة يتم في دقائق ومن أي مكان بينما تتولى القنوات الرسمية تعريف المستفيد بالخدمة وشرح تحديثاتها والتنبيه إلى متطلباتها. وهكذا لم تعد الرسالة الإعلامية منفصلة عن التجربة الحكومية، بل أصبحت جزءاً منها لأن المستفيد يحتاج إلى معلومة صحيحة بقدر حاجته إلى إجراء سريع.
ولنا في تطبيق توكلنا خير مثال على هذا التكامل. فقد بدأ استجابة وطنية لظرف استثنائي ثم تحول إلى تطبيق وطني شامل يضم أكثر من ألف خدمة ويخدم أكثر من ثلاثة وثلاثين مليون مستخدم نشط. ومن خلال واجهة واحدة يجمع توكلنا خدمات صحية وتعليمية ودينية وتطوعية وبلدية إلى جانب الوثائق الرقمية والتنبيهات والرسائل وآخر المنشورات. وبذلك لم يعد التطبيق مجرد نافذة لإنجاز المعاملة، بل أصبح قناة موثوقة تجمع الخدمة بالمعلومة وتصل إلى المستفيد أينما كان. وقد أثبتت التجربة أن الاتصال الفعَّال يمكن أن يكون داخل الخدمة نفسها وأن الرسالة الموثوقة حين تصل في لحظتها تقلِّل الالتباس وتحد من الشائعة وترفع مستوى الوعي.
وتؤكد المؤشرات الدولية قوة هذا المسار. فقد حققت المملكة المرتبة السادسة عالمياً بين مئة وثلاث وتسعين دولة في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية لعام 2024. كما تصدرت إقليميا مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة لعام 2025 للعام الرابع على التوالي بنسبة بلغت تسعة وتسعين في المئة. وهذه النتائج لا تمثِّل أرقاماً تنافسية فقط، بل تعكس كفاءة المؤسسات وجودة التجربة وثقة المستفيد وتقدم النموذج السعودي في بناء حكومة رقمية تضع الإنسان أولاً.
ومن منظور إعلامي فإن المحافظة على هذا التقدم تتطلب الاستثمار في الإنسان بقدر الاستثمار في التقنية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى إعلاميين يجيدون صحافة البيانات والتحقق الرقمي وإدارة الأزمات وإنتاج المحتوى المتخصص. وهنا يبرز دور الجامعات وأقسام الإعلام في تحديث برامجها وبناء شراكات مع المؤسسات الإعلامية والتقنية حتى يتخرَّج جيل قادر على فهم التحول الوطني وتقديمه بلغة مهنية تجمع بين السرعة والدقة والعمق.
كما تفرض المرحلة المقبلة توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وتخصيص المحتوى والترجمة والوصول إلى الجمهور مع التمسك بالمسؤولية المهنية وحماية الخصوصية والأمن السيبراني. فقيمة الإعلام الرقمي لا تقاس بسرعة النشر ولا بعدد المشاهدات وحدهما، بل بقدرته على تفسير المنجز وتقريب الخدمة وتعزيز الوعي وحماية المجتمع من التضليل. وكلما تطورت الخدمات وجب أن يتطور معها الإعلام الذي يشرحها وينقل أثرها ويصغي إلى المستفيدين منها.
وفي ذكرى البيعة الثانية عشرة نجدد الولاء لقيادة جعلت التقنية طريقاً للتنمية والإعلام جسراً بين المنجز والإنسان. إنها مسيرة اثني عشر عاماً أثبتت أن الدولة الحديثة لا تقدم خدماتها بكفاءة فقط، بل تحسن أيضاً مخاطبة مجتمعها والاستماع إليه وصناعة مستقبلها معه بثقة. وهذا جوهر التحول السعودي الذي يجمع القيادة والإنجاز والإنسان.
** **
د. سالم بن محمد آل جفشر - أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان