د. غالب محمد طه
قبل أيام، وأنا أنظف بريدي الإلكتروني من عشرات الرسائل المتراكمة، كادت إحداها أن تلقى مصير الحذف دون تروٍ. كنت أمارس تلك المهمة الأسبوعية التي نؤجلها ثم نضطر إليها، ومع كل نقرة حذف، أشعر بارتياح عابر، كأنني أنظف مكتبًا افتراضيًا من غبار الأيام.
لكنني توقفت عند إحدى الرسائل. كانت تحمل عنوانًا معتادًا عن المنتدى السعودي للإعلام 2027. في العادة، تمر علينا دعوات المؤتمرات والمنتديات بوصفها مواعيد مرتبطة بفعالية تنتهي بانتهاء أيام انعقادها. لكن شيئًا ما في تلك الرسالة جعلني أتريث. فتحتها، فإذا بها لا تبدو مجرد دعوة إلى فعالية، بل خريطة لمشهد إعلامي يتحرك في اتجاهات متعددة في وقت واحد.
كانت هناك وثيقة لمبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام، ومعسكر للابتكار يستقبل الأفكار الشابة، ومبادرة لسفراء الإعلام تمتد بالصورة إلى الخارج، واستعدادات لمعرض FOMEX 2027 لاستقطاب الشركات العالمية في التقنية والإعلام.
في لحظة القراءة، بدا لي أن ما بين يدي ليس مجرد روزنامة فعاليات، بل صورة لقطاع يعيد تشكيل نفسه من الداخل. فالمنتدى، بهذا الامتداد، لم يعد مجرد ملتقى سنوي يجمع العاملين في المجال، وإنما بات مساحة تتقاطع فيها مسارات متعددة: المعرفة والتقنية، والمواهب الشابة والخبرات الدولية، والابتكار والممارسة المهنية. ولعل اللافت أن المنتدى لا يقدم نفسه بوصفه موعدًا سنويًا ينتهي بانتهاء أيامه، بل بوصفه موسمًا إعلاميًا متواصلًا، وهو ما يجعل السؤال عن أثره بعد انتهاء الفعالية أكثر أهمية.
وهنا يبرز السؤال الذي أراه أهم من حجم الفعاليات أو عدد المشاركين: ماذا يضيف هذا المنتدى فعلًا إلى الإعلام السعودي؟
الإجابة، في تقديري، لا تكمن في فعالية منفردة، وإنما في قدرته على جمع هذه المسارات داخل مساحة واحدة. فالحديث عن الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته لا يبقى منفصلًا عن تطبيقاته، والتقنية التي تُعرض في المعرض تجد من يناقش أثرها في غرف الأخبار، والأفكار التي يحملها الشباب تجد مساحة للاختبار والتطوير، فيما يفتح الحضور الدولي المجال للاطلاع على تجارب وممارسات تتجاوز الحدود المحلية.
هذه الإضافة مهمة؛ لأن التحول الإعلامي لا يحدث بتقنية منفردة، أو دورة تدريبية، أو مؤتمر ينتهي بانتهاء برنامجه، بل يتشكل عندما تتصل المعرفة بالتجربة، والتقنية بالمهارة، والأفكار بالممارسة.
لكن هذا الزخم يطرح في الوقت نفسه اختبارًا مهنيًا لا يمكن تجاهله. فالإعلام السعودي، شأنه شأن الإعلام في العالم، يتحرك داخل بيئة لم تعد فيها سرعة الوصول إلى المعلومة هي التحدي الأكبر. الخبر ينتقل بين المنصات في لحظات، والجمهور لم يعد متلقيًا فقط، بل أصبح ناشرًا ومعلقًا وأحيانًا مصدرًا للمعلومة نفسها. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف إمكانات غير مسبوقة في إنتاج النصوص والصور وتحليل البيانات.
وهنا يتغير السؤال من: كيف ننجز أسرع؟ إلى سؤال أكثر أهمية: هل يمكن أن نصبح أسرع وأفضل في الوقت نفسه؟
فالسرعة ليست عدو الجودة بالضرورة. يمكن للتقنية أن تساعد الصحفي في البحث، وتحليل البيانات، واكتشاف الأنماط، والوصول إلى المعلومات، وأن تمنحه وقتًا أكبر للمهام التي تحتاج إلى حكم بشري. المشكلة تبدأ عندما تتحول السرعة من أداة إلى معيار للجودة؛ عندما يصبح السؤال داخل غرفة الأخبار: من نشر أولًا ؟ بدلًا من: من نشر أدق، وأعمق، وأكثر فائدة؟
وهنا تظهر أهمية المنتدى بصورة أخرى. فالذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للصحفي، لكنه يفرض إعادة التفكير في دوره. فإذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج مسودة تقرير في دقائق، فإن قيمة الصحفي لا تعود في قدرته على إنتاج النص وحده، بل في قدرته على أن يسأل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ ما مصدرها؟ ما الذي ينقصها؟ ما سياقها؟ وماذا تعني للناس؟
جوهر الصحافة لم يكن يومًا في إنتاج النص فقط. جوهرها صناعة المعنى: اختيار ما يستحق أن يُروى، والتحقق منه، ووضعه في سياقه، وتفسير دلالاته للجمهور. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد في كثير من هذه المراحل، لكنه لا يعفي المؤسسة الإعلامية أو الصحفي من المسؤولية المهنية عن الحكم النهائي على المعلومة، ولا عن الطريقة التي تُقدَّم بها إلى الناس.
ومن هنا، يمكن النظر إلى المبادرات التي تصاحب المنتدى بوصفها أكثر من أنشطة متفرقة؛ فهي تفتح المجال أمام سؤال أكبر عن شكل الإعلام الذي نريد بناءه؛ فالمطلوب ليس فقط صحفيًا يعرف كيف يستخدم الأدوات الجديدة، وإنما صحفيًا يعرف متى يستخدمها، وكيف يتحقق من مخرجاتها، ومتى يتوقف عنها، وما الذي لا ينبغي أن يتركه لها أصلًا.
ولا تقتصر إضافة المنتدى على ما يحدث داخله؛ فانفتاحه على الخبرات والممارسات الدولية يوسع نطاق النقاش، ويمنح الإعلامي والمؤسسة الإعلامية فرصة للنظر إلى تجارب أخرى، ومراجعة الأدوات والممارسات، ورفع سقف الأسئلة المتعلقة بمستقبل المهنة. ومع اتساع مشاركة الخبرات والكتّاب والمفكرين والإعلاميين من المنطقة والعالم، يكتسب المنتدى كذلك بعدًا عربيًا يتيح مساحة أوسع لتبادل التجارب ومناقشة التحولات التي تمس المهنة في المنطقة كلها. ومن هذه الزاوية، يمكن للمنتدى أن يكون جزءًا من الحوار المتجدد حول مستقبل الإعلام العربي، انطلاقًا من السعودية واتصالًا بتجارب المنطقة والعالم.
لكن القيمة الأهم لهذا الحراك ستظهر في قدرته على الانتقال من مساحة المنتدى إلى مساحة الممارسة. ففي النهاية، لن تقاس الإضافة بعدد الجلسات أو التقنيات المعروضة أو المبادرات المعلنة، وإنما بما يمكن أن تتركه في الممارسة اليومية لغرف التحرير: في قرار محرر يختار أن يتريث ويتحقق بدلًا من أن يسبق الجميع، وفي صحفي يبحث عن السياق بدل الاكتفاء بالمعلومة الجاهزة، وفي مؤسسة تستطيع أن تقول: «ليس لدينا ما يكفي من المعلومات»، بدل أن تملأ الفراغ بمحتوى سريع لا يضيف شيئًا.
عدت إلى رسالتي الإلكترونية بعد انتهاء القراءة. كان خياري الأولي، كالعادة، هو الضغط على زر «حذف».
لكنني توقفت.
لم تعد مجرد دعوة إلى منتدى، ولا قائمة بفعاليات ومبادرات قادمة، بقدر ما أصبحت بالنسبة إليّ سؤالًا مفتوحًا عن مستقبل مهنة تتغير أدواتها بسرعة أكبر مما اعتدنا.
أبقيت الرسالة، لا لأنني أخشى أن أنسى موعدًا، ولا لأنني أريد متابعة المستجدات، وإنما لأنني أريد أن أعود إليها بعد أن تنتهي أيام المنتدى، لأرى ماذا بقي من أفكاره ومبادراته في المشهد الإعلامي.
هل انتقلت هذه الأفكار من قاعات المنتدى إلى غرف التحرير؟ وهل أسهم هذا الحراك في إعلام سعودي أكثر دقة، وأعمق فهمًا، وأقرب إلى المجتمع؟ وهل أصبحت التقنيات الجديدة أدوات تساعد الإعلامي على أداء عمله بصورة أفضل، أم اكتفينا بأن نجعل الإعلام أسرع؟
عندها فقط سأعرف ماذا تركت تلك الرسالة وراءها.
وفي المرة القادمة التي أنظف فيها بريدي الإلكتروني، لن أتعجل الضغط على زر «حذف».