أحمد بن محمد الغامدي
بين أزقة حي «البغدادية الغربية» العريق في جدة والمسارح الدولية، تختزل فرقة «أبو سراج للفنون الشعبية» مسيرة نصف قرن من العطاء، لتتحول من حلم طفولي وموهبة صبا ولدت في ممرات مدرسة اليرموك، إلى أيقونة وطنية وعلامة فارقة في تاريخ الفلكلور الشعبي والموسيقي السعودي، إن الاحتفاء بهذه المسيرة اليوم لا يمثل مجرد استرجاع لذكريات فنية، بل هو توثيق حي لقصة صمود وإبداع نجحت في صياغة هوية فنية فريدة، ممتدة عبر نصف قرن من الزمن.
في عام 1403هـ، كان عمر العطاس ورفاقه يؤسسون فرقة صغيرة لم يتجاوز عدد أفرادها 12 شخصًا، مدفوعين بحبهم للفنون الشعبية ورغبتهم في تقديمها بصورة أكثر تطورًا، ولم يكن أحد يتوقع آنذاك أن يتحول ذلك الحلم البسيط إلى مسيرة فنية تمتد لنصف قرن من الزمن، وتحمل ألوانًا من التراث السعودي إلى المسارح والمحافل داخل المملكة وخارجها.
تميزت «فرقة أبو سراج» بقدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد؛ فأحيت ألوانًا شعبية مثل الخبيتي والعجل، خصوصًا الفن الينبعاوي الذي ارتبط باسمها، مع تطوير أدائه وإدخال آلات وإيقاعات جديدة، دون أن تفقد روحه وهويته. وهنا تكمن أهمية التجربة؛ فهي لم تتعامل مع التراث باعتباره ماضيًا محفوظًا في الذاكرة، بل رأته فنًا حيًا قادرًا على التطور والوصول إلى أجيال جديدة.
لم تكن المسيرة خالية من التحديات، فقد مرت الفرقة بظروف صعبة خلال أزمة الخليج الثانية، وتوقفت الحفلات والإنتاج، لكنها اختارت في تلك المرحلة أن يكون صوتها وطنيًا، وقدمت عددًا من الأغاني الوطنية وسجلتها للإذاعة، ثم عادت بعد الأزمة إلى نشاطها، واستأنفت إنتاجها وحضورها، لتواصل مسيرة بدأت محليًا واتسعت لاحقًا إلى الخليج وعدد من الدول العربية والأوروبية.
كما كان للدعم الذي حظيت به من شخصيات وطنية وثقافية أثر مهم في استمرارها، ومن بينهم الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز، الذي اعتمد الفرقة لأداء عدد من الأناشيد العسكرية للقوات المسلحة، في موقف يعكس قيمة الفن الشعبي حين يتحول إلى وسيلة للتعبير عن الانتماء والاعتزاز بالوطن.
اليوم، تأتي الذكرى الخمسون للفرقة في مرحلة مختلفة تعيشها المملكة، حيث أصبحت الثقافة والفنون جزءًا أساسيًا من مشروعها الوطني، وحظي الموروث الثقافي باهتمام مؤسسي متزايد، وأصبحت الفنون السعودية حاضرة في المهرجانات والمنصات والمحافل الدولية.
من هنا، فإن قصة «فرقة أبو سراج» ليست مجرد قصة فرقة موسيقية؛ بل إنها قصة صمود وشغف ووفاء للهوية، قصة تؤكد أن الفن الشعبي السعودي قادر على البقاء والتجدد، وأن ما يبدأ حلمًا صغيرًا في حي شعبي يمكن أن يتحول، مع الإصرار والدعم، إلى إرث وطني تتناقله الأجيال.
الخلاصة: بعد أربعة عقود ونصف لا تزال «فرقة أبو سراج» تعزف فصلًا جديدًا من الحكاية؛ حكاية فن سعودي أصيل، لم يغادر جذوره، لكنه عرف كيف يسافر بها إلى العالم.