نجلاء العتيبي
ليست المشكلة في أن تنتشرَ فكرةٌ بين الناس، وإنما في أن تصبح بمنأًى عن السؤال؛ فالأفكار لا تكتسبُ قيمتها من كثرة مَن يُردّدها، ولا تتحوَّل إلى حقائق؛ لأنها وجدت قبولًا واسعًا، ومع ذلك تتكرَّر في كل زمنٍ ظاهرةٌ تدعو إلى التأمُّل؛ إذ تنجح بعضُ الادعاءات في اكتساب الثقة قبل أن تُقدّم دليلًا، ويمنحها الناسُ مكانةً يصعب مراجعتها، حتى يصبح التشكيك فيها أقرب إلى مخالفة المألوف منه إلى ممارسة حق طبيعي في التفكير. هذه الظاهرة لا ترتبط ببيئة أو ثقافة بعينها، فهي تكشف جانبًا من الطبيعة الإنسانية؛ فالإنسان لا يبحث دائمًا عن الحقيقة بأقصر الطُّرُق إلى الدليل، وإنما قد يبحث عن أكثر الإجابات راحةً، وما ينسجم مع رغباته يجد طريقه إلى القبول أسرع من الفكرة التي تتطلَّب صبرًا وتمحيصًا؛ ولهذا تستطيع بعض الادعاءات أن تعيش سنوات طويلة، ليس لأنها صمدت أمام الاختبار، وإنما لأنها منحت الناس يقينًا سهلًا لا يطالبهم بكثير من المراجعة.
ومع اتساع وسائل النشر أصبحت الفكرة تنتقل إلى ملايين الأشخاص في وقتٍ وجيزٍ، دون أن يرافقها ما يكفي من التحقُّق، وتزداد قوة تأثيرها إذا صدرت عن شخصية تحظى بالشهرة أو القبول، فيختلط احترام الإنسان لصاحب الرأي بثقته في الرأي نفسه، وهنا تتحوَّل المكانة الاجتماعية إلى بديل غير مقصود عن البرهان، مع أن الشهرة لا تمنح الحقيقة وزنًا إضافيًّا، كما أن التصفيق لا يُغيّر من نتائج البحث العلمي.
يظهر هذا الخلل بوضوحٍ في كل ما يتعلَّق بصحة الإنسان، فما أكثر الأنظمة الغذائية، والوصفات، وأساليب الحياة التي تُقدَّم بوصفها حلولًا شاملةً، ثم تنتشر اعتمادًا على تجارب فردية أو روايات متداولة، وقد يُحقّق بعضُها نتائجَ عند أشخاصٍ محددين، غير أن التجربة الشخصية لا تكفي لبناء قاعدة عامة؛ لأن ما يصلح لإنسان قد لا يصلح لغيره؛ ولأن العلم لا يقيس النجاح بحالة واحدة، وإنما بما يتكرَّر تحت شروطٍ واضحةٍ يمكن التحقُّق منها.
ليس المقصود أن يقف الإنسان موقف الرفض من كل جديدٍ، فالتاريخ العلمي كله قائمٌ على مراجعة الأفكار وتطويرها، غير أن الفرق كبيرٌ بين فكرة تطلب فرصة لتخضع للاختبار، وفكرة تطلب التصديق قبل أن تخضع له، الأُولى تحترم عقل المتلقي؛ لأنها تُقدّم نفسها بوصفها احتمالًا قابلًا للفحص، أما الثانية فتجعل الاقتناع مقدمة على البرهان، وتستمدُّ قوتها من الحماس أكثر مما تستمدُّها من المعرفة.
ومن أخطر ما قد يواجه أيَّ مجتمع أن يفقد قيمة السؤال؛ فالسؤال ليس اعتراضًا على الحقائق، وإنما الوسيلة التي تُميّز بين ما يمكن إثباته، وما يعتمد على الانطباع، وكل معرفة راسخة مرَّت يومًا بمرحلة من التساؤل، ولم تصبح يقينًا إلا بعد أن تجاوزت الاختبار مرةً بعد أخرى، أما الفكرة التي تنزعج من المراجعة، أو ترى في كل سؤال خصومة، فإنها تُعلن ضعفها دون أن تشعر.
لهذا لا ينبغي أن يكون اختلافُ الآراء مصدرَ قلقٍ، وإنما مصدر القلق الحقيقي هو غياب المعايير التي نحتكم إليها عند تقييمها؛ فالعقول لا تنمو بكثرة ما تسمع، وإنما بطريقة اختيارها لما تسمع، وقدرتها على التمييز بين الدليل والادعاء، وبين التجربة الخاصة والمعرفة التي يمكن تعميمها.
لقد تقدَّمت الإنسانية لأنها لم تمنح أيَّ فكرة حصانة دائمة، ولم تجعل أحدًا أكبر من السؤال؛ فالحقيقة لا تخشى المراجعة، ولا تحتاج إلى حماية من النقد؛ لأنها كلما خضعت للاختبار ازدادت رسوخًا، أما الادعاء، فيبحث دائمًا عن التصديق السريع؛ لأنه يُدرك أن أطول ما يخشاه هو سؤال صادق يطلب الدليل قبل أن يمنح الثقة.
ضوء
«قبل أن تُخبرني بشيء، تأكَّد أنه يمرُّ عبر الفلاتر الثلاثة: الحقيقة، والخير، والفائدة».
- سقراط.