خالد الأنصاري
تظهر الحاجة الماسة في هذه الأيام للإصلاح مع كثرة الخصومات والخلافات الأسرية وتنوعها؛ بسبب المشاحنة في الأمور الشخصية والمالية.
وإن من عظمة الإسلام التشوف إلى الصلح والسعي الدؤوب له، وترتيب الأجر العظيم للمصلحين، ويتضح ذلك جلياً في قوله تعالى: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (114) سورة النساء.
والصلح بين الناس نوع من إقامة العدل في الأرض ويتضح لنا ذلك في تبويب الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الصحيح» باب: فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم، ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة».
ومعنى يعدل: أي يصلح بين الناس صدقة، لأن الإصلاح نوع من العدل.
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: (من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة).
فكم يعصم الله بالمصلحين من دماء وأموال، وحفظ للعديد من الأسر من الشتات والضياع، بكلمة طيبة، ونصيحة من القلب غالية.
ومفهوم الإصلاح بين الناس يعد من المفاهيم الشرعية الواسعة، التي تسعى لحل المشاكل والنزاعات الفردية والأسرية داخل المجتمع، والنهي عن الإفساد في الأرض، قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}.
والإصلاح واجب شرعي، ومهمة جليلة، يقوم بها الأنبياء والصالحون، ومن اقتفى أثرهم، ولسان حالهم يقول: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
هذه الآية الكريمة هي جزء من قول نبي الله شعيب عليه السلام لقومه، في سورة هود، وتُعبّر عن غاية دعوة الأنبياء والمصلحين في النصح، وتحري الحق، والتوكل على الله وحده في تحقيق الهداية والإصلاح بقدر الطاقة والاستطاعة البشرية.
ولشيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ تقرير عن علاقة المسجد وإمامه بالإصلاح وكونه خير مكان لذلك إذ يقول: «أن يكون المسجد ملتقى خير وإصلاح بين الناس، وأن يحرص الإمام وجماعة المسجد على التآلف والإصلاح بينهم، وعلى الإصلاح بين الزوج وزوجته، وبين الأولاد ونحو ذلك».
ثم قرر أن هذا «عمل عظيم» لأنه يؤدي رسالة المسجد بصورة أوسع وأعمق تأثيرًا، مستشهدًا بقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).
واللافت أن الشيخ في تقريره هذا يؤكد أن إصلاح ذات البين ليس مجرد خدمة اجتماعية بالمفهوم المعاصر، بل هو عمل شرعي مناط بالمسؤولية والقدرة.
لا كلف الله نفساً فوق طاقتها
ولا تجودُ يدٌ إلا بما تجدُ
وإليك أخي المصلح بعضاً من المعالم والمفاهيم لتستنير بها في طريق الإصلاح، أذكر منها على سبيل المثال:
أولاً: المبادرة في الإصلاح:
باستشعار الفضل العظيم من الله تعالى، المترتب على الصلح بين الناس، بقطع الخصومة، وفض النزاع، وعدم التأخر عن ذلك، حتى لا تتفاقم الخلافات، وتتسع النزاعات وتتشعب، فيصعب حينها التعامل معها وحلها:
بادر إذا حاجة في وقتها بدرت
فللحوائج أوقات وساعاتُ
إن أمكنت فرصة فأنهض لها عجلاً
ولا تؤخر فإن للتأخير آفاتُ
ثانياً: فقه الأولويات:
وهو الحكمة بوضع الشيء في موضعه، والتركيز على الفاضل، وترك المفضول، حين الدخول في قضايا الصلح، يجب على المصلح التصور التام للقضايا، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وحينها تتجلى له نقاط الخلاف، ويبدأ بتقديم المهم منها، والتركيز عليه.
ثالثاً: الاطلاع المعرفي:
ويكون ذلك بالقراءة في كتب السياسة الشرعية، وفن التعامل مع الآخرين، وسؤال أهل العلم عن المشاكل التي تطرأ في القضايا والمنازعات، وذلك لكسب بعض المهارات في الإصلاح والإقناع.
رابعاً: الدعوة إلى الله تعالى:
الدخول في قضايا الإصلاح، فرصة للدعوة إلى الله تعالى داخل الأسر، بهداية الناس إلى طريق الحق، بإصلاح المعتقد والسلوك والأفكار، فالنفوس المتشاحنة تثق في المصلح وتتقبل منه، وبذلك تكون فرصة لإزالة المنكرات، وترك الظلم والعداوات.
خامساً: الاستعانة بذوي البصيرة:
يستحب للمصلح أن يستشير ويستصحب معه نفراً من أهل العلم والخبرة، والفضل والجاه، فإنه سيكون لهم الأثر بعد الله تعالى، في تقريب وجهات النظر، وإتمام الصلح على الوجه الأكمل.
سادساً: ابدأ بمن تعول:
على المصلح أن يبدأ في الإصلاح بمن تحت يديه من أقاربه، وممن لهم عليه حق الولاية والرعاية، امتثالاً لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ..).
سابعاً: نشر ثقافة العفو:
بتذكير الخصوم بفضل العفو، وأنه عز لهم ورفعة في الدارين لقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ صلى الله عليه وسلم}.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً).
ولما عفوت ولم أحقد على أحد
اُرحت نفسي من هم العداواتِ
ثامناً: عدم اليأس:
فالمصلح يعرف هدفه، فلا يفقد الأمل ويعتريه اليأس والقنوط، من أي قضية تواجهه، بل يجب عليه الصبر، وإن الفرج قادم بإذن الله تعالى.
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وادعو في ختام هذه المقالة كل من يجد في نفسه القدرة على الاحتساب في الصلح، أن يتعاون مع مكاتب الصلح في المحاكم الشرعية، أو مع أئمة المساجد داخل الأحياء، أو في جمعية إصلاح ذات البين، أو أن يبادر بنفسه للصلح في القضايا الشخصية التي يقف عليها بين معارفه وجيرانه.
وبالإصلاح تستقيم الحياة على المنهج السليم الذي يوحد بين المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، ويجمع كلمتهم.
إضـاءة:
إن الإصلاح بين الناس عبادةٌ عظيمة، وسبيلٌ لحفظ الأسر وصيانة الحقوق وإطفاء نار الخصومات، وقد رتّب الله عليه الأجر العظيم.
ويحتاج المصلح إلى المبادرة، وفقه الأولويات، والعلم والحكمة، والاستعانة بأهل البصيرة، مع نشر ثقافة العفو والصبر وعدم اليأس.
فليكن كل قادرٍ على الإصلاح سفيرَ خيرٍ بين المتخاصمين؛ يسعى لجمع القلوب، وتأليف النفوس، وإصلاح ذات البين ابتغاء مرضاة الله.