د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
لم يعد العمل التطوعي في المملكة العربية السعودية ممارسةً فردية محدودة، بل أصبح مكوّنًا مهمًا في الحياة المجتمعية، تتسع مجالاته، وتتعدد فرصه، وتتنامى المشاركة فيه بصورة تعكس وعيًا متزايدًا بقيمة العطاء وخدمة المجتمع.
وقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في أعداد المتطوعين وساعات التطوع والفرص المنظمة، حتى تجاوز عدد المتطوعين مليون متطوع بحلول عام 2024، متقدمًا على مستهدفات رؤية السعودية 2030 قبل موعدها، كما تجاوزت ساعات التطوع خمسين مليون ساعة سنويًا. وهذه الأرقام تعكس تحولًا مهمًا في ثقافة التطوع، وانتقاله من المبادرات الفردية المتفرقة إلى ممارسة أكثر تنظيمًا ومؤسسية.
غير أن نجاح مرحلة الانتشار يفتح أمامنا سؤالًا أكثر أهمية: كيف ننتقل من اتساع المشاركة إلى تعميق الأثر؟
فكثرة المتطوعين، وارتفاع عدد الساعات، وتعدد الفرص التطوعية مؤشرات مهمة على اتساع التجربة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جودتها؛ إذ إن القيمة الحقيقية للعمل التطوعي تظهر فيما يتركه من أثر في حياة المستفيدين، وفي قدرته على معالجة الاحتياجات الفعلية للمجتمع، وتحقيق تغيير مستدام يتجاوز حدود المشاركة الزمنية .
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الاتساع فحسب، وإنما إلى تعظيم الأثر، ورفع جودة المبادرات، وتطوير أدوات قياس نتائجها؛ حتى يصبح السؤال عن العمل التطوعي ليس:
كم تطوعنا؟
وإنما: ماذا تغيّر نتيجة هذا التطوع.
من التوسع إلى التنظيم
شهد العمل التطوعي في المملكة خلال السنوات الأخيرة انتقالًا واضحًا من المبادرات الفردية المتفرقة إلى العمل المنظم والمؤسسي؛ فقد ارتفع عدد المتطوعين من نحو 50 ألفًا عام 2016 إلى أكثر من 1.2 مليون متطوع عام 2024، وهو نمو يتجاوز عشرين ضعفًا خلال أقل من عقد.
وأسهمت المنصة الوطنية للعمل التطوعي في توفير مئات الآلاف من الفرص المنظمة، الأمر الذي عزز حضور التطوع في المجتمع، ونقله من الممارسة العفوية إلى إطار أكثر تنظيمًا واحترافية، وأتاح للمتطوعين فرصًا أوسع للمشاركة في مجالات متنوعة تخدم احتياجات المجتمع.
وهذه المرحلة تمثل نجاحًا مهمًا في مسيرة العمل التطوعي؛ إذ إن الوصول إلى هذا الحجم من المشاركة لم يكن هدفًا يسيرًا، بل ثمرة لجهود تنظيمية ومؤسسية أسهمت في ترسيخ ثقافة التطوع، وتيسير الوصول إلى الفرص التطوعية، وفتح المجال أمام أعداد متزايدة من أفراد المجتمع للمشاركة والعطاء.
غير أن الانتقال من مرحلة الانتشار إلى مرحلة الأثر يفرض تحديًا جديدًا؛ فكلما اتسعت دائرة المشاركة، ازدادت الحاجة إلى أن يكون هذا التوسع مصحوبًا بجودة أعلى في المبادرات، وارتباط أوثق باحتياجات المجتمع، وقياس أكثر دقة للنتائج التي يحققها العمل التطوعي.
وهنا تبدأ المرحلة الأهم: ليس كم متطوعًا شارك؟ ولا كم ساعة تطوعية أُنجزت؟ وإنما ماذا ترك هذا التطوع من أثر؟
الأرقام.. مؤشر مهم لكن غير كافٍ
لا شك أن ارتفاع أعداد المتطوعين، وتزايد الساعات والفرص التطوعية، مؤشرات مهمة على اتساع ثقافة التطوع ونمو المشاركة المجتمعية. غير أن هذه المؤشرات الكمية، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على جودة العمل التطوعي أو عمق أثره؛ فليست كل ساعة تطوعية متساوية في قيمتها، كما أن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة أنها عالجت احتياجًا حقيقيًا أو أحدثت تغييرًا مستدامًا.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من التركيز على حجم المشاركة إلى جودة الأثر؛ بحيث لا يكون نجاح المبادرة مرتبطًا بعدد المتطوعين أو الساعات التي أُنجزت فحسب، وإنما بما أحدثته من فرق حقيقي في حياة المستفيدين، وما قدمته من حلول للاحتياجات الفعلية للمجتمع.
وهذا التحول لا يعني التقليل من أهمية المؤشرات الكمية، وإنما استكمالها بمؤشرات نوعية تساعد على معرفة ما وراء الأرقام: ماذا تحقق؟ ومن استفاد؟ وما الذي تغير؟ وهل استمر هذا الأثر بعد انتهاء المبادرة؟
فكلما أصبحت هذه الأسئلة جزءًا من تصميم المبادرات التطوعية وتقييمها، انتقل العمل التطوعي خطوة أخرى من ثقافة المشاركة إلى ثقافة الأثر، وأصبح المتطوع شريكًا في صناعة قيمة اجتماعية مستدامة، لا مجرد مشارك في تسجيل ساعات تطوعية.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على الزخم الكمي الذي حققته المملكة، ونرتقي في الوقت نفسه بجودة المبادرات وعمق أثرها؟
قياس الأثر.. من عدد الساعات إلى حجم التغيير
لا شك أن عدد المتطوعين وساعات التطوع والفرص المتاحة مؤشرات مهمة على اتساع المشاركة المجتمعية، لكنها لا تكشف وحدها عن القيمة الحقيقية للعمل التطوعي. فقد تنجح مبادرة في استقطاب أعداد كبيرة من المتطوعين، دون أن يكون أثرها في حياة المستفيدين بالقدر نفسه من الاتساع. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من قياس حجم المشاركة إلى قياس ما أحدثته هذه المشاركة من تغيير.
فنجاح المبادرة التطوعية لا ينبغي أن يُقاس بعدد الساعات التي قُضيت في تنفيذها فحسب، وإنما بما تركته من أثر ملموس في حياة المستفيدين، ومدى إسهامها في معالجة احتياج حقيقي، وقدرتها على تقديم قيمة تتجاوز وقت المبادرة وتنتهي إلى نتيجة يمكن ملاحظتها واستمرارها.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير أدوات أكثر دقة لقياس الأثر؛ تبدأ من تحديد الهدف الذي جاءت المبادرة لتحقيقه، ثم معرفة عدد المستفيدين، ونوعية احتياجاتهم، وما تحقق لهم نتيجة المشاركة التطوعية، وصولًا إلى متابعة النتائج بعد انتهاء المبادرة. فحين تصبح هذه العناصر جزءًا من التخطيط والتقييم، يمكن الانتقال من مجرد تسجيل النشاط إلى معرفة القيمة التي أضافها العمل التطوعي.
كما أن قياس الأثر يساعد الجهات المنظمة على اكتشاف المبادرات الأكثر نجاحًا، وتطوير المبادرات الأقل أثرًا، وتوجيه الجهود والموارد نحو المجالات التي يحتاج إليها المجتمع بصورة أكبر. وبذلك تصبح البيانات أداة لتحسين العمل التطوعي، لا مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات الإنجاز.
والهدف في النهاية ليس التقليل من قيمة الساعات التطوعية أو أعداد المشاركين، وإنما إعطاء هذه الأرقام معناها الحقيقي؛ فساعة تطوعية أحدثت تغييرًا مستدامًا قد تكون أثمن من ساعات كثيرة لم تترك أثرًا واضحًا.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يصاحب كل مبادرة تطوعية لم يعد: كم ساعة تطوعية أُنجزت؟ بل أصبح: ماذا تغيّر بسبب هذه الساعات؟ فهنا يبدأ الانتقال الحقيقي من اتساع المشاركة إلى تعميق الأثر.
تعميق الأثر وتطوير العمل التطوعي
إذا كان قياس الأثر هو الخطوة التي تكشف قيمة العمل التطوعي، فإن تعميق هذا الأثر يتطلب الانتقال من تنفيذ المبادرات إلى تطويرها بصورة مستمرة. فالمبادرة الناجحة ليست التي تنتهي بانتهاء ساعاتها، وإنما التي تفتح المجال لنتائج أبقى، وتستجيب لاحتياج حقيقي، وتترك لدى المستفيد قدرة أكبر على الاعتماد على نفسه والمشاركة في مجتمعه.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تُبنى المبادرات التطوعية على دراسة واضحة لاحتياجات المجتمع، وأن تتجه الجهات المنظمة إلى تصميم برامج أكثر تخصصًا، تستفيد من مهارات المتطوعين وخبراتهم، وتربط جهودهم بالمجالات التي تحقق فيها مشاركتهم قيمة مضافة حقيقية. كما أن تطوير العمل التطوعي يقتضي العناية بالمتطوع نفسه؛ من خلال التدريب والتأهيل، وتزويده بالمهارات التي تساعده على أداء مهمته بكفاءة، وتوفير بيئة منظمة تحفظ حقوقه، وتقدّر جهده، وتتيح له الانتقال من المشاركة العابرة إلى الخبرة المتراكمة. فالمتطوع المؤهل لا يقدم ساعات تطوعية فحسب، بل يقدم معرفة ومهارة وتجربة يمكن أن تتضاعف قيمتها مع مرور الوقت.
ويمكن كذلك تعزيز الأثر من خلال بناء شراكات أكثر فاعلية بين الجهات الحكومية والمؤسسات غير الربحية والقطاع الخاص والجامعات، بحيث تتكامل الموارد والخبرات، وتتجنب المبادرات التكرار، وتتجه الجهود إلى احتياجات أكثر أولوية. فالتطوع حين يعمل ضمن منظومة متكاملة يصبح أكثر قدرة على معالجة المشكلات، وأوسع أثرًا في المجتمع.
والأهم من ذلك أن يتحول العمل التطوعي من مبادرات منفصلة إلى مسارات مستدامة، تُراجع نتائجها، وتُستثمر الخبرات المتراكمة فيها، ويُعاد تطويرها وفق احتياجات المجتمع ومتغيراته. وعندها لا تنتهي قيمة المبادرة بانتهاء فعاليتها، بل تتحول كل تجربة ناجحة إلى معرفة يمكن البناء عليها، وكل متطوع إلى طاقة يمكن تطويرها، وكل أثر إيجابي إلى نقطة انطلاق لأثر أكبر.
وتقدم الجامعات نموذجًا مهمًا في تحويل العمل التطوعي إلى ممارسة مؤسسية منظمة؛ ففي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، شارك خلال عام 2024 أكثر من 13 ألفًا و400 طالب وطالبة في 2,074 فرصة تطوعية عبر المنصة الوطنية للعمل التطوعي، بما يعكس اتساع دائرة المشاركة التطوعية في البيئة الجامعية، وإتاحة فرص متنوعة للطلاب والطالبات للمشاركة في خدمة المجتمع.
وتبرز الجامعات كذلك بوصفها بيئة مهمة لتعميق الأثر التطوعي؛ فجامعة الأمير سلطان، على سبيل المثال، تتبنى إطارًا مؤسسيًا لخدمة المجتمع يتيح فرصًا تطوعية داخلية وخارجية، ويربط العمل المجتمعي باحتياجات المجتمع، كما تتطلب إجراءاتها توثيق نتائج المبادرات وإحصاءاتها، بما يعكس توجهًا نحو تنظيم العمل التطوعي وقياس نتائجه.
مستقبل العمل التطوعي.. من اتساع المشاركة إلى استدامة الأثر
لقد قطعت المملكة شوطًا مهمًا في بناء منظومة العمل التطوعي، وأصبح التحدي في المرحلة المقبلة ليس مجرد زيادة أعداد المتطوعين أو الفرص التطوعية، وإنما تعظيم القيمة التي تنتج عنها هذه المشاركة، وتحويلها إلى أثر مستدام يخدم المجتمع ويستجيب لاحتياجاته المتجددة. وتأتي رؤية المملكة 2030 بوصفها إطارًا واسعًا لتعزيز المشاركة المجتمعية، وهو ما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من العمل التطوعي، تقوم على التخصص والاحترافية والاستدامة، بحيث يجد كل متطوع المجال الذي تتوافق فيه قدراته ومهاراته مع احتياجات المجتمع. فالمستقبل لا يحتاج إلى متطوع أكثر عددًا فحسب، بل إلى متطوع أكثر تأهيلًا، ومبادرة أكثر جودة، وأثر أكثر استدامة.
كما أن التحول الرقمي يتيح فرصًا أوسع لتطوير التجربة التطوعية؛ من خلال تحسين الوصول إلى الفرص، والتعرف على مهارات المتطوعين، وربطها بالاحتياجات الفعلية، وتوثيق المشاركات، والاستفادة من البيانات في تطوير المبادرات وتوجيهها نحو المجالات الأكثر أولوية.
ويمكن أن تتعزز استدامة الأثر من خلال توسيع الشراكات بين الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي والقطاع الخاص والجامعات والمؤسسات التعليمية، بحيث تتحول المبادرات التطوعية من جهود منفردة إلى مشروعات متكاملة تتشارك فيها الخبرات والإمكانات، وتستمر نتائجها بعد انتهاء النشاط أو الفعالية.
كما أن المستقبل يقتضي مزيدًا من العناية بالمتطوعين أنفسهم؛ فالتجربة التطوعية لا ينبغي أن تُبنى على الحماس وحده، وإنما على التأهيل والتدريب، وتراكم الخبرة، وتقدير الجهود، وإتاحة مسارات واضحة للتطور. وكلما ارتفعت كفاءة المتطوع، ارتفعت قيمة ما يقدمه، وتحول العمل التطوعي من مشاركة مؤقتة إلى خبرة إنسانية ومجتمعية مستدامة.
ومن هنا، فإن المرحلة القادمة يمكن أن تجعل من العمل التطوعي أحد روافد التنمية الوطنية، لا من خلال زيادة أعداد المشاركين فقط، بل عبر بناء منظومة تقيس النتائج، وتستثمر الخبرات، وتدعم المبادرات ذات الأثر، وتحوّل قصص النجاح إلى نماذج قابلة للتوسع والتكرار.
وهكذا يصبح الطموح الحقيقي أن ننتقل من السؤال: كم بلغ عدد المتطوعين؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كم من الأثر المستدام صنع هؤلاء المتطوعون؟ فحين تتسع المشاركة ويعمق أثرها وتستمر نتائجها، يصبح العمل التطوعي شريكًا حقيقيًا في صناعة مستقبل أكثر حيوية وتكافلًا، وهو ما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي وتعزيز المشاركة المجتمعية.
لقد نجحت المملكة العربية السعودية في بناء تجربة تطوعية واسعة، وأصبح العمل التطوعي اليوم أكثر حضورًا وتنظيمًا في حياة المجتمع، وهو إنجاز يعكس تنامي الوعي بقيمة المشاركة والعطاء، ويؤكد ما يمكن أن يصنعه الإنسان حين تتاح له الفرصة للمساهمة في خدمة مجتمعه ووطنه.
غير أن اتساع دائرة المشاركة لا ينبغي أن يكون نهاية الطموح، بل بداية لمرحلة أكثر عمقًا؛ مرحلة ينتقل فيها العمل التطوعي من التركيز على عدد المتطوعين وساعات التطوع إلى العناية بجودة المبادرات، وقياس نتائجها، وتعظيم أثرها، وضمان استدامة ما تحققه من قيمة للمستفيدين والمجتمع.
فالمتطوع ليس رقمًا في إحصائية، والساعة التطوعية ليست مجرد وحدة قياس؛ وإنما تكمن القيمة الحقيقية في ما يصنعه الإنسان بوقته ومهارته وإرادته من تغيير نافع. وكلما ارتبط التطوع باحتياجات المجتمع، واستند إلى التأهيل والتخطيط وقياس الأثر، أصبح أكثر قدرة على تحقيق نتائج تتجاوز حدود المبادرة ووقتها.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستحق أن يكون عنوانها: تعميق الأثر واستدامته؛ عبر تطوير مهارات المتطوعين، وتعزيز الشراكات، والاستفادة من التحول الرقمي والبيانات، ودعم المبادرات ذات الأثر الحقيقي، وتحويل التجارب الناجحة إلى نماذج قابلة للتوسع والاستفادة منها.
وفي ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، يمكن للعمل التطوعي أن يواصل دوره بوصفه أحد روافد المجتمع الحيوي، لا بكثرة المشاركين وحدها، وإنما بقدرتهم على صناعة أثر نافع ومستدام. فكل متطوع مؤهل، وكل مبادرة ناجحة، وكل ساعة تُستثمر في خدمة حقيقية، تمثل لبنة في بناء مجتمع أكثر تكافلًا ومشاركةً وحيوية.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافق المرحلة القادمة ليس: كم تطوعنا؟ بل: ماذا غيّر تطوعنا؟
فحين يكون الجواب أثرًا مستدامًا في حياة الإنسان والمجتمع، نكون قد انتقلنا فعلًا من اتساع المشاركة إلى تعميق الأثر.
** **
- أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً