د. بندر خلف الحارثي
هناك من يتعامل مع الأرقام كأداة عمل، وهناك من تبدو الأرقام وكأنها جزء من طريقته في فهم العالم.
ومازن السديري أقرب إلى الفئة الثانية.
ففي مسيرته في البحث والتحليل المالي، لم تكن الأرقام مجرد جداول تُقرأ أو تقارير تُراجع، بل كانت نقطة بداية للسؤال: ماذا وراء هذا الرقم؟ وما الذي يقوله عن السوق والشركة والاقتصاد؟
من هنا تصبح عبارة «صداقة الأرقام» أكثر من وصف بلاغي؛ إنها تلخيص لطريقة تفكير تشكلت عبر سنوات من التحليل، حيث لا يُنظر إلى الرقم بوصفه نتيجة نهائية، بل بوصفه مدخلًا لفهم أوسع. فالرقم عند السديري لا يقف وحده.
نمو الأرباح لا يُقرأ كنسبة فقط، بل يُسأل عن مصدره واستدامته وما إذا كان يعكس تحسنًا حقيقيًا أو ظرفًا مؤقتًا.
وحركة السوق لا تُختزل في صعود أو هبوط، بل تُفكك إلى سيولة وقطاعات وسلوك مستثمرين وتقييمات وأسعار فائدة.
حتى المؤشرات الاقتصادية لا تُؤخذ كما هي، بل تُجزأ إلى عناصرها حتى تتحول إلى قصة قابلة للفهم.
وهنا تتضح ملامح المحلل الحقيقي: من يرى ما وراء الرقم لا ما يظهر منه فقط.
في الأسواق المالية، امتلاك البيانات لا يكفي. الفارق الحقيقي ليس في ما نعرفه، بل في كيف نفسره. فالجميع يملك الأرقام نفسها، لكن ليس الجميع يصل إلى الاستنتاج نفسه.
البيانات متاحة، والتقارير منشورة، لكن القيمة تظهر في السؤال الذي يلي القراءة: ماذا يعني هذا الرقم؟
وهذا هو جوهر التحليل المالي: تحويل البيانات الصامتة إلى سرد اقتصادي حي. ومن هذا المنهج جاء مازن السديري.
سنوات من العمل في البحث والتحليل قربته من الشركات والأسواق، وربطت بين قراءته للأرقام وفهمه للتحولات الاقتصادية الأوسع.
وموقعه السابق كرئيس لإدارة الأبحاث في الراجحي المالية لم يكن مجرد منصب إداري، بل مساحة لتحويل البيانات إلى رؤى قابلة للاستخدام في القرار الاستثماري.
هذه الخلفية تجعل انتقاله إلى قيادة السوق المالية انتقالًا ذا دلالة مختلفة؛ فهو لا يأتي من خارج السوق، بل من داخل بنيتها التحليلية.
يعرف لغة المستثمر، وأسئلة المحلل، واهتمامات مدير الصندوق، ويدرك أن رقمًا صغيرًا في تقرير قد يتحول إلى قرار بمليارات الريالات.
لكن التحول الأهم في هذه المسيرة أن من اعتاد قراءة السوق أصبح اليوم أمام مسؤولية إدارة بيئتها.
وهنا يتغير نوع السؤال.
المحلل يسأل: لماذا تحرك السوق؟
أما القائد فيسأل: كيف نجعل السوق أكثر كفاءة وعمقًا؟
المحلل يبحث عن الأفضل أداءً.
أما القائد فيبني منظومة تسمح بوصول الأفضل إلى التمويل والنمو.
المحلل يراقب سلوك المستثمر.
أما القائد فيصنع سوقًا تقوم على الثقة والشفافية والعدالة.
إنها نقلة طبيعية لرجل تشكلت خبرته داخل عالم الأرقام، لكنها في الوقت نفسه نقلة أوسع نطاقًا ومسؤولية.
السوق المالية السعودية اليوم ليست مجرد مؤشرات لحظية، بل جزء من مشروع اقتصادي متكامل.
ومع رؤية 2030، أصبحت السوق أداة رئيسية في تنويع الاقتصاد، وتمويل الشركات، وجذب الاستثمارات، وتوسيع قاعدة الملكية، وتطوير الأدوات المالية.
لذلك لم يعد السؤال: إلى أين يصل المؤشر؟
بل: كيف تصبح السوق أكثر عمقًا وكفاءة وتأثيرًا في الاقتصاد؟
وهنا تبرز قيمة الخلفية التحليلية لمعالي الأستاذ مازن السديري.
فارتفاع المؤشر ليس الهدف بحد ذاته، بل قد يكون الأهم هو جودة الشركات المدرجة، وعمق السوق، واتساع قاعدة المستثمرين المؤسسيين، ونمو سوق الدين، وارتفاع الشفافية، وقدرة الشركات على التمويل المستدام.
ففي الأسواق، ليست كل الأرقام الكبيرة هي الأهم؛ أحيانًا تكمن الدلالة في أرقام صغيرة لا تُلاحظ بسهولة.
مثل ارتفاع ملكية مؤسسية، أو دخول مستثمر طويل الأجل، أو إدراج شركة ناشئة، أو توسع أداة مالية جديدة. هذه التفاصيل الصغيرة قد تعكس تحولات كبيرة في البنية الاقتصادية.ما يميز علاقة مازن السديري بالأرقام أنها ليست علاقة بالرقم نفسه، بل بما يكشفه الرقم. فالرقم ليس غاية، بل وسيلة لفهم ما يحدث خلفه: في الاقتصاد، أو الشركة، أو سلوك المستثمرين، أو اتجاه السوق.وهنا تتجلى قيمة التحليل الحقيقي: الانتقال من “ماذا حدث؟” إلى “لماذا حدث؟” ثم إلى السؤال الأعمق: “ماذا يعني ذلك؟”
وهذا النوع من التفكير هو ما تحتاجه الأسواق في مراحل التحول. قد تبدو الأرقام جامدة للبعض، لكنها في عالم التحليل تحمل إيقاعًا خاصًا.
الأرباح لها قصة، والسيولة لها قصة، والديون لها قصة، وحتى الصمت في بعض الأحيان له دلالة.
ومازن السديري، بخبرته الطويلة، يتعامل مع هذه اللغة باعتبارها نظامًا متكاملًا من الإشارات.
لذلك فإن الحديث عنه اليوم لا يقتصر على انتقال وظيفي، بل على انتقال من موقع تفسير السوق إلى موقع التأثير في بنيتها.
وهنا تبرز الأسئلة الكبرى:
كيف تُدار السوق بعد فهمها؟
هل الأولوية للتوسع أم للعمق؟
للإدراجات أم لجودتها؟
للسيولة أم لنوعيتها واستدامتها؟
كلها أسئلة تعود في النهاية إلى الأرقام، لكن هذه المرة ليست كمواد تحليل، بل كنتاج لقرارات.
وهكذا تدخل «صداقة الأرقام» مرحلة جديدة.
فبعد أن كانت الأرقام وسيلة لقراءة السوق، أصبحت السوق نفسها هي ما يجب أن يُعاد تشكيله ليعكس أرقامًا أكثر دقة وعمقًا ونضجًا.
لم يعد السؤال: هل يستطيع مازن السديري قراءة الأرقام؟
بل: هل يستطيع أن يجعل السوق أكثر قدرة على إنتاج أرقام ذات معنى؟
سوق أكثر شفافية، أعمق، وأكثر كفاءة في عكس التحولات الاقتصادية.
فإذا تحقق ذلك، فلن تكون القصة مجرد مسار مهني لمحلل وصل إلى موقع القيادة، بل قصة انتقال من قراءة الأرقام إلى المساهمة في صناعتها.
وهنا تصبح «صداقة الأرقام» أكثر من عنوان.. ولتصبح مسارًا كاملًا.
رجل بدأ رحلته مع الأرقام كمحلل، وينتهي به المطاف في موقع يشارك فيه في كتابة ما ستقوله الأرقام عن مستقبل السوق السعودية.