الهادي التليلي
الحديث عن الغابون هو حديث عن بلد يعد المصدر الأول لليورانيوم في العالم عن بلد تشغل ثروته في هذا المجال 80 في المائة من المفاعلات النووية في أمريكا وفرنسا وغيرهما والحال أنه كان يقبع في الظلام وفي شح لا مثيل له في مجال المياه على حد قول برتراند زيبي اباغBERTRAND ZIBI ABEGHE المعارض السابق والمناصر الحالي للرئيس الحالي ولا يتوقف الأمر عند هذا التناقض فالغابون يتوفر على ثروات كبيرة جدا من المنغانيز حيث يحتل المرتبة الثانية عالميا من حيث الإنتاج بما يعادل 25 في المائة من الإنتاج العالمي والخشب كرابع منتج للأخشاب في القارة السمراء وأكبر مصدر لألواح الخشب في قارة إفريقيا بنسبة 52 في المائة كيف لا والبلد مغطى بالغابات بنسبة 88 في المائة منه هذا بالإضافة إلى وجود ثروات أخرى مثل النفط والحديد وغيرهما مع كل هذه الثروات فإن الغابون كان يعاني من نقص كبير في مجالات الكهرباء والماء الصالح للشراب، كان محتاجا رجة سياسية واستفاقة ومن هنا بدأت الحكاية من داخل القصر لا من خارجه.
الرئيس الحالي للغابون الجنرال بريس كلوتير أوليفيي والمنتخب بأغلبية ساحقة في انتخابات 2025 بنسبة 94,80 في المائة هو في الأصل قائد الحرس الجمهوري للقصر أيام حكم الرئيس السابق عمر بنغو اونديمبا وابن عمه بعد انتخابات رئاسية مشبوهة فاز خلالها على بنغو رغم رفضه من كافة شرائح الشعب بعد تاريخ كامل من الفشل شارف على 14 عاما فما كان من بريس إلا أن استجاب لنداء جماهير شعبه وقاد انقلابا سلسا أطلق عليه الملاحظون انقلاب القصر.
وحتى يعطي مشروعية ديمقراطية لحكمه وبرنامجه الإصلاحي، إضافة إلى شرعية شعبية نظم انتخابات بعد فترة حكم انتقالية فاز فيها دون أن يصطدم بأي كان من القوى الخارجية في البداية حتى فرنسا التي لها قاعدة عسكرية ومعسكر شارل ديغول المعروف وفوجئت حسب تصريح خارجيتها بالانقلاب.
الرئيس الجديد نزع بدلة الجنرال وأصبح رجل سياسة بامتياز، بل دخل عباب التنمية من طريقه الصعب أي الصحة والتعليم والاستثمار وفتح ملف ظل طوال الوقت داخل خانة الممنوع ونعني به صندوق النقد الدولي حيث وجد ديونا مجحفة وإرثا من سلفه عمر بنغو الذي غادر السلطة على إثر انقلاب 2023 حيث تجاوز الدين العام 70 في المائة من الناتج المحلي بقيمة 7,500 مليار فرنك إفريقي بعد احتساب الديون والالتزامات المتأخرة
وهنا كانت تصريحات بريس النارية حيث كشف التدقيق مع خزينة الدولة الذي أمر به أن بعض المشاريع التي يطالب الصندوق الدولي بسدادها لم تنفذ وأن نسبة كبيرة من هذه الأموال لم تدخل خزينة الدولة ومن ثمة الأرقام المفزعة تبين أنها غير دقيقة فطالب الصندوق بالتفاوض وإعادة النظر في المطالبات وأمر بوقف الدين من خزينة الدولة وتوجه إلى جهات تمويلية أخرى مما أثار امتعاض المشرفين على الصندوق.
التحديات التي تواجه الرئيس الحالي هي الماء والكهرباء والمساكن والتشغيل ويسعى لإيجاد حلول لها في شراكة بين المواطن والدولة إذ كان دائم الحضور اليومي مع المواطنين أينما هم وحيثما توجد تحدياتهم مع حرص دائم من المواطنين لدفع الضرائب ومحاسبة المتخاذلين تحت شعار لا تطلب إصلاحات وأنت متهرب من مساهمتك في دفع الضرائب
وفي السياسة الخارجية يستوقفنا المشهد الإفريقي حيث إنها عضو في الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا CEEAC والمجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا CEMAC وفي هذا السياق الديمغرافي حجم التبادل مهم وطموحات الرئيس الجديد في لعب دور محوري إقليميا يجعل الاهتمام بهذه الشراكات مسألة جوهرية في برنامجه السياسي اتخذ سياسة المراحل والسلاسة في التعامل حيث مع فرنسا مثلا المستعمر القديم والتي لها حضور قوي في البلد وبحنكة حيث تم استبعاد فرنسا بهدوء مما حمل ماكرون إلى زيارة البلد ودعوة الرئيس الجديد إلى قصر الإيليزي وهو ما تم في يوليو المنقضي حيث صرح الرئيس الغابوني بأن الغابون تريد علاقة أكثر توازنا من ذي قبل وتحترم السيادة الغابونية ولا مانع في شراكة اقتصادية في مجالات البنية التحتية والطاقة والبيئة وسائر مجالات الاقتصاد وبأقل ثقل تقوم العلاقة الاقتصادية مع الصين على البنية التحتية والتجارة والاستثمار وهنا حضور الصين يأتي في خطة التخارج الاقتصادي من فرنسا وكذلك تحضر الولايات المتحدة في المشهد الاقتصادي في سياق طمأنة جميع الشركاء الغربيين بأن لا قطيعة معهم والعلاقات الغابونية مع السعودية قديمة منذ عقود وترتكز على توريد الخشب والفحم الخشبي وبعض الأشياء الأخرى في حين تستورد من المملكة عربات وقاطرات السكة الحديدية. المشروعات في الغابون من خلال الصندوق السعودي للتنمية مثل مشروع السكة الحديدية ودراسة وانشاء معهد ماسكو العلوم الفنية كما أن بين البلدين عديد من الاتفاقات الإطارية أهمها اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي وما ساعد ذلك التبادل الدبلوماسي بين البلدين والذي يعود إلى سنة 1995 والعلاقات الديبلوماسية في الحقيقة أقدم من ذلك بكثير وتحديدا لسنة 1974 ومن أول الأشياء التي قام بها الرئيس الحالي بريس كلوتير أوليفي بعد انتخابه هو استقباله للسفير السعودي بالغابون وعبر للسفير عن رغبته الجامحة في تطوير العلاقات والتبادل الاقتصادي بين البلدين علما أنه من المعجبين بقيادة ولي العهد الأمير محمد ورؤيته 2030 ويطمح لزيارة المملكة متى سنحت الدعوة.
ولعل خط السياسة الجديد في الغابون الرامي إلى تنويع الشركاء والخروج من الجلباب الاقتصادي الأوروبي النهم إلى شركاء فعليين على غرار السعودية يجعل آفاق التعاون أوسع.