د. سجى عارف
بينما كانت أخلاقيات مهنة الصحافة والإعلام تُبنى على قواعد واضحة كنسب الخبر، احترام المصدر، التحقق، المسؤولية، والالتزام بالمصلحة العامة، جاءت السوشيال ميديا لتُعيد تشكيل المشهد الإعلامي بطريقة أربكت المؤسسات والصحفيين والجمهور معًا.
وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي لوسائل تواصل إخباري فتراجعت الثقة في المؤسسات الصحفية والإعلامية ووكالات الأنباء رغم أنها صاحبة السبق، بينما تتضخم حسابات فردية تُعيد نشر المحتوى دون جهد أو نسب، فتحصد المتابعين والإعلانات والشهرة على حساب الجهة الأصلية التي تبذل جهدًا كبيرًا في التغطيات الميدانية والتحرير والتحقق.
ولا سيما في ظل الصعود الصحفي الفردي كعلامة شخصية، الصحفي الذي يبني هويته المهنية على المنصات، ويتواصل مباشرة مع الجمهور، ويُقدم محتوى تحليليا ينافس مؤسسته نفسها في بعض الأحيان، وهذا التحول ليس تجاوزًا دائمًا لكنه نتيجة لضعف المؤسسات في بناء حضور رقمي قوي وهي التي تجد نفسها اليوم في منافسة غير عادلة مع حسابات تعتمد على إعادة نشر محتواها دون إذن أو ذكر للمصدر الأصلي، كما أصبح الجمهور يتجه إلى السريع لا إلى الأصلي، وإلى الأكثر تفاعلًا لا إلى الأكثر مهنية.
مايحدث هو أن أفرادًا أو جهات يأخذون الخبر أو التقرير الصحفي كما هو، ينشرونه كاملًا أو جزءا منه دون ذكر المصدر، بينما تخسر المؤسسة جمهورها. والمفارقة الأخلاقية هنا هي أن هؤلاء الأفراد يذكرون المصادر الأجنبية عند الاقتباس منها، ويتجاهلون المصادر المحلية التي يعتمدون عليها يوميًا، وهذه الحسابات لا تمتلك مراسلين ولا تغطيات ولا مصادر خاصة، بل تعيش بالكامل على محتوى المؤسسات دون نسب أو اعتراف.
وهذه الحسابات تُشبه الطفيلي الذي يعيش على حساب المضيف في عالم الأحياء، الطفيلي يعيش على المضيف ويستفيد منه، ويضعفه ويهدد بقاءه، وهذا التشبيه ينطبق تمامًا على العلاقة بين المؤسسات الصحفية وحسابات السوشيال ميديا التي تعيش على المحتوى الذي تنتجه المؤسسات، وتعتمد على التغطيات الميدانية دون أي جهد أو إنتاج أصيل.
النتيجة الأخطر هي أن الطفيلي يقضي على المضيف ثم يموت معه، فعندما تضعف المؤسسات الصحفية تتراجع جودة المحتوى وتقل التغطيات الميدانية، ويضعف مصدر المعلومات الأساسي، عندها ستنهار الحسابات التي تعيش عليها، لذا صحافة السوشيال ميديا تقضي على نفسها قبل أن تقضي على المؤسسات الصحفية.
يكمن الأثر السلبي لهذه الظاهرة في تسطيح المعرفة، وتدني جودة المحتوى، وانتشار محتوى بلا سياق، وإعادة نشر الأخبار دون نسب مايفقد الخبر سياقه الأصلي، كما تتراجع المهنية فعندما يصبح الخبر سلعة مجانية تتراجع قيمة العمل الصحفي الحقيقي وتضعف المؤسسات من خلال خسارتها المتابعين والتأثير والقدرة على إنتاج محتوى قوي، الأمر الذي على أثره يقلل من الميزانية، ويتم الاستغناء عن الصحفيين ما يدفع بهم للعمل في السوشيال ميديا لتعود الحلقة وتستمر من جديد. وهنا نطالب بتفعيل قانون يحمي حق المؤسسات في حفظ محتواها، ويلزم الجميع بذكر المصدر الأصلي، وعدم إعادة نشر التغطيات دون إذن، والاعتراف بالمراجع والمصادر التوثيقية، واحترام الملكية الفكرية للتقارير الإخبارية للمؤسسات الصحفية.
وندعو المؤسسات الصحفية نفسها إلى تعزيز حضورها الرقمي وتبني منصات رقمية قوية، وإنتاجها محتوى بصري تروي من خلاله قصصا لخلفية الخبر من خلال مراسليها، وتستخدم علاماتها المائية لحماية المحتوى. كما نطالب بتحديث أخلاقيات الصحافة وتفعيل «أخلاقيات النشر الرقمي»، وتنظيم العلاقة بين الصحفي ومنصته الشخصية فهل هي منصة إخبارية مرخصة للعمل الإخباري، وهل يحمل صاحبها اعتمادًا لممارسة المهنة ونشر المواد الإخبارية أم لا.