أنس تشكالا
لم يكن الوصول إلى المعرفة يوما بهذه السهولة التي هو عليها اليوم. فبضغطة واحدة يستطيع الشاب أن يقرأ عن أحدث الاكتشافات العلمية، ويتابع محاضرة في جامعة عالمية، ويطالع أخبار أقصى بقاع الأرض، ويجيب عن أسئلة كانت قبل عقود تحتاج إلى أيام من البحث بين رفوف المكتبات. لقد أصبح العالم أقرب إلى الإنسان من أي وقت مضى، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل اقترب الإنسان من نفسه بالقدر ذاته؟
لقد نجح عصرنا في إنتاج جيل يعرف الكثير عن العالم، لكنه يجد صعوبة في الإجابة عن أسئلة أكثر بساطة: ماذا أريد من حياتي؟ وما الذي يمنحني السكينة؟ وما القيم التي أؤمن بها حقًا؟ وكيف أعيش حياة لها معنى؟ إنها أسئلة لا تجيب عنها محركات البحث، ولا تقدم لها الخوارزميات إجابات جاهزة.
ولعل المفارقة أن الإنسان المعاصر أصبح يعرف تفاصيل حياة الآخرين أكثر مما يعرف تفاصيل حياته هو. يتابع أخبار المشاهير، ويعرف اهتمامات المؤثرين، ويحفظ مواعيد إطلاق الأجهزة الجديدة، لكنه قد لا يتذكر آخر مرة جلس فيها مع نفسه بعيدا عن الشاشات، أو سألها بصدق: إلى أين أمضي؟
لقد غيّرت التقنية علاقتنا بالمعرفة. ففي الماضي كان الوصول إلى المعلومة يحتاج إلى جهد، ولذلك كانت المعرفة تنمو ببطء، لكنها كانت تترسخ في العقل. أما اليوم، فقد أصبحت المعلومات تتدفق بلا انقطاع، حتى صار الإنسان يستهلك منها أكثر مما يستطيع أن يهضم. وبين كثرة المعلومات وقلّة التأمل، اتسعت الفجوة بين ما نعرفه وما نفهمه.
وليس المقصود التقليل من قيمة المعرفة الرقمية، فهي من أعظم منجزات عصرنا، وقد فتحت أبواب العلم أمام ملايين الناس. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى مجرد استهلاك سريع؛ نقرأ كثيرًا، ونشاهد أكثر، ونشارك الروابط، ثم نمضي إلى غيرها قبل أن نسأل: ماذا غيّرت هذه المعرفة في طريقة تفكيرنا أو في أسلوب حياتنا؟
لقد أصبح بعض الشباب يحفظ اقتباسات الفلاسفة، ويعرف أحدث النظريات، ويستطيع أن يناقش قضايا عالمية معقدة، لكنه يعجز عن إدارة غضبه، أو تنظيم وقته، أو بناء علاقة متوازنة مع أسرته، أو مواجهة إخفاق بسيط دون أن ينهار. وكأننا نجحنا في تعليم الإنسان كيف يعرف العالم، ولم ننجح بالقدر نفسه في تعليمه كيف يعرف نفسه.
وليس هذا التناقض جديدا؛ فقد كانت الحكمة الإنسانية منذ القدم تؤكد أن معرفة النفس هي بداية كل معرفة حقيقية. فالإنسان الذي لا يدرك نقاط قوته وضعفه، ولا يميز بين رغباته الحقيقية وما تفرضه عليه البيئة المحيطة، يظل يعيش حياة رسمها الآخرون له، لا الحياة التي اختارها بنفسه.
وتزداد هذه المشكلة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقضي كثير من الناس ساعات طويلة في مقارنة حياتهم بحياة الآخرين. فهم يرون الصور النهائية للنجاح، ولا يرون سنوات التعب التي سبقتها. ويرون لحظات الفرح، ولا يرون أيام القلق والفشل. ومع تكرار هذه المقارنات، يبدأ الإنسان في فقدان صلته بنفسه، لأنه ينشغل بمحاولة أن يكون نسخة من غيره.
ومن أخطر نتائج ذلك أن الهوية أصبحت عند بعض الشباب مشروعًا قابلًا للتغيير مع كل موجة جديدة. فتتبدل الاهتمامات بسرعة، وتتغير القناعات تحت تأثير ما يراه الإنسان كل يوم، حتى يصبح من الصعب عليه أن يميز بين ما يريده هو، وما يريده الآخرون منه.
إن معرفة النفس لا تعني الانعزال عن العالم، بل تعني أن يمتلك الإنسان بوصلة داخلية تهديه وسط هذا الضجيج. أن يعرف ما الذي يستحق وقته، وما الذي يستحق عمره، وما المبادئ التي لا يساوم عليها، وما الأحلام التي تستحق أن يبذل من أجلها جهده.
ولعلنا بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار للحظات الصمت والتأمل. فالإنسان لا يكتشف نفسه في زحام الإشعارات، ولا وسط سيل المقاطع القصيرة، بل حين يهدأ قليلًا، ويقرأ بعمق، ويتأمل تجاربه، ويستمع إلى صوته الداخلي قبل أن يستمع إلى أصوات الآخرين.
كما أن التربية ينبغي ألا تقتصر على تزويد الأبناء بالمعلومات، بل أن تعلمهم مهارات الحياة، وإدارة المشاعر، والتفكير النقدي، وتحمل المسؤولية، وفهم ذواتهم. فالمجتمع لا يحتاج إلى شباب يعرفون كل شيء عن العالم فحسب، بل إلى شباب يعرفون من هم، ولماذا يعيشون، وإلى أين يريدون أن يصلوا.
وفي تراثنا الإسلامي، كان العلم دائمًا مرتبطا بالعمل، والمعرفة مرتبطة بتزكية النفس. فلم يكن المقصود أن تمتلئ العقول بالمعلومات، بل أن تهتدي القلوب، وتستقيم الأخلاق، ويثمر العلم أثرًا في السلوك. ولذلك كان العلماء يعدّون إصلاح النفس بداية إصلاح العالم، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبني مجتمعًا متوازنًا إذا كان مضطربًا في داخله.
إن التحدي الأكبر في هذا العصر ليس نقص المعرفة، بل وفرتها. وليس السؤال: كيف نحصل على المزيد من المعلومات؟ بل: كيف نحوّل هذه المعلومات إلى حكمة؟ وكيف نحافظ على ذواتنا وسط عالم يحاول كل يوم أن يخبرنا بما يجب أن نكونه؟
وفي النهاية، قد يكون من السهل أن يعرف الإنسان أخبار العالم كلها، لكنه لن يجد السكينة حتى يعرف نفسه. فالمعرفة التي لا تقود إلى فهم الذات تبقى ناقصة، والمعلومات التي لا تصنع وعيًا تتحول إلى ضجيج، والإنسان الذي يعرف كل شيء إلا نفسه، قد يكتشف بعد سنوات أنه أمضى عمره يبحث في كل مكان.. إلا المكان الذي كان يحتاج أن يبدأ منه.