د. إبراهيم بن جلال فضلون
الصمت ليس حياداً، فإذا كان العالم لا يستطيع أن يحمي الإنسان حين يُقتل، فماذا بقي من معنى الحديث عن القانون والعدالة والضمير؟، بل وليست المشكلة اليوم في أن العالم لا يعرف ما يحدث، ولا في أن الصور لا تصل، ولا في أن الأرقام غامضة، بل إن المشكلة في أن المأساة أصبحت مشهودة لدرجة أن السؤال لم يعد: ماذا يحدث؟ وإنما: ماذا فعلنا بعدما عرفنا؟.
لا تنسوا السودان!
لقد استوقفني مقال بهذا العنوان للأستاذ خالد بن حمد المالك الاثنين الماضي، واضعًا كلّ واحد منا أمام الحقيقة المؤلمة، ثم جاء في اليوم التالي مقال «حروب إسرائيل بدون أمريكا والغرب»، وكأن العنوانين معًا يفتحان نافذة واحدة على مشهد لا يحتمل الغفلة؛ الأول يذكّرنا بما تكاد تبتلعه زحمة الأحداث من مأساة السودان، والثاني يدفعنا إلى النظر في حقيقة القوة التي تقف خلف حروب إسرائيل، وما الذي يمكن أن تعنيه هذه الحروب إذا جُرّدت من حلفائها وداعميها، وما يلفت بينهما ليس جمال الصياغة فحسب، بل القدرة على اختزال قضيتين أشد تعقيدًا في كلمات قليلة، تضعنا كقراء مباشرة أمام السؤال الذي لا يريد أن يهرب منه؛ عناوين لا تكتفي بأن تخبرك عما ستقرأ، وإنما تستفز في داخلك ما ينبغي أن تفكر فيه، فينبهنا بالأرقام أن خلف كل مليون رقم إنسان، وخلف كل نسبة بيتٌ هُدم، وأسرةٌ تفرقت، وطفلٌ ينتظر دواءً أو غذاءً أو مدرسة، وأمٌّ لا تعرف كيف تحمي أبناءها من حرب لم تختَرها، ففي غزة، لم تعد الكارثة تحتاج إلى مزيد من الشرح كي يقتنع بها أحد، فمنظمة الصحة العالمية تقول إن 2.9 مليون شخص في الأراضي الفلسطينية المحتلة سيحتاجون إلى مساعدات صحية إنسانية خلال عام 2026، بينهم 2.4 مليون شخص مستهدفون بالدعم الصحي، كما تشير بيانات المنظمة إلى أن النظام الصحي في غزة تعرض لتدمير واسع، وأن جميع المستشفيات البالغ عددها 36 مستشفى تعرضت للضرر، بينما لم يعد سوى نصفها يعمل بصورة جزئية. يجاورها السودان مسكيناً، حيث تبدو المأساة أحياناً وكأنها تمر في هامش الأخبار، تقول الأمم المتحدة إن نحو 34 مليون إنسان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، أي ما يقارب ثلثي سكان البلاد، فيما يحتاج 21 مليوناً إلى مساعدات صحية، ويُقدَّر عدد المصابين بسوء التغذية الحاد في عام 2026 بأكثر من 4 ملايين شخص.من هنا تأتي قيمة الأسلوب؛ لغة واضحة، مباشرة، لا تتكلف البلاغة ولا تستعرض المفردات، لكنها تعرف كيف تضع الفكرة في مكانها الصحيح، وكيف تجعل العنوان جزءًا من الحجة لا مجرد واجهة لها. والأهم أن عبارة «حروب إسرائيل بدون أمريكا والغرب»، هي حروب ميلشيات الدعم السريع بدون داعميها بالوكالات، وتترك سؤالًا أكثر إرباكًا من العنوان نفسه: ماذا يبقى من قدرة إسرائيل والدعم السريع على خوض هذه الحروب إذا نُزعت عنها شبكة الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي من داعميهم أو حلفائهم؟، وهناصبح العنوان، بقدر بساطته، مدخلًا إلى نقاش أكبر عن حقيقة القوة، وعن الحليف الذي قد لا يظهر في مقدمة المشهد، لكنه حاضر في كل تفاصيله.
الصمت والسياسة
إن الأخطر من الأرقام نفسها أن العالم بدأ يتعايش معها، وهنا يصبح الصمت أكثر من مجرد غياب للكلام، وكأنه أصبح موقفاً. فالصمت في الحياة الخاصة قد يكون حكمة، وقد يكون احتراماً، وقد يكون لحظة تأمل، لكنه في الكوارث الإنسانية الكبرى، «طويل» وقد يتحول إلى مساحة تسمح للأزمة بأن تستمر، فغزة والسودان ليستا قضيتين متشابهتين في الأسباب أو الأطراف أو طبيعة الصراع، ومن الخطأ وضعهما في سلة واحدة، لكنهما يلتقيان في سؤال إنساني لا يحتاج إلى كثير من السياسة: هل يكفي أن نعرف أن المدنيين يدفعون الثمن، ثم نكتفي بالمشاهدة؟.
في السودان وحده، قالت الأمم المتحدة في أبريل 2026 إن الحرب دخلت عامها الرابع، وإن نحو 34 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، فيما فر أكثر من 4.5 مليون شخص عبر الحدود، وفي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 قُتل نحو 700 مدني، وفق ما أوردته الأمم المتحدة عن تقارير الضحايا في ضربات الطائرات المسيّرة. وفي الوقت نفسه، ظل التمويل الإنساني أقل بكثير من حجم الاحتياجات، فقد حصلت خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2025 على 40 % فقط من التمويل المطلوب، بينما أظهرت بيانات الأمم المتحدة في يوليو 2026 أن خطة 2026 لم تكن قد حصلت إلا على أقل من ثلث التمويل المطلوب، إذ وصل ما تلقته إلى نحو 930 مليون دولار من أصل قرابة 2.9 مليار دولار.. فهل أصبح العالم عاجزاً عن رؤية الرقم؟، أم أن المشكلة أن الرقم لم يعد قادراً على تحريك السياسة؟.
إسبانيا لم تكتفِ بالكلام
قد يقول قائل إن الغرب لم يستيقظ، وإن مواقف الدول الغربية لا تزال متباينة، وهذا صحيح، لذلك لا ينبغي أن نتحدث عن «الغرب» باعتباره موقفاً واحداً، لكن هناك تحولاً سياسياً لا يمكن إنكاره، وبعض الدول الغربية انتقلت من البيانات إلى خطوات أكثر وضوحاً، فإسبانيا مثال يستحق التوقف، إذ اعترفت في مايو 2024 رسمياً بدولة فلسطين، وقالت حكومتها إن القرار يهدف إلى المساهمة في تحقيق السلام، وإنها انضمت بذلك إلى أكثر من 140 دولة تعترف بفلسطين، ثم لم يتوقف الأمر عند الاعتراف، بل وفي سبتمبر 2025 أعلنت الحكومة الإسبانية إجراءات إضافية بشأن غزة، تضمنت تثبيت حظر الأسلحة على إسرائيل قانونياً، ومنع عبور سفن تحمل وقوداً مخصصاً للقوات الإسرائيلية عبر الموانئ الإسبانية، ومنع مرور طائرات دولة تحمل مواد دفاعية موجهة إلى إسرائيل، إضافة إلى إجراءات أخرى وزيادة المساعدات الإنسانية لغزة إلى 150 مليون يورو بحلول 2026.قد يختلف المرء مع مدريد أو يتفق، وقد يرى في هذه الإجراءات ما يكفي أو ما لا يكفي، لكن الحقيقة السياسية التي ينبغي ألا تضيع هي أن الموقف تحول إلى أدوات، وهنا تحديداً ينبغي أن يسأل العالم العربي نفسه: متى يتحول موقفنا من بيانات الإدانة إلى أدوات تأثير؟.
حال العرب بين القوة والضعف
هكذا عنون المالك مقاله في تاريخ 12-07-2026، لعروبتنا، هي ليست دعوة إلى الحرب، ولا إلى المغامرة، ولا إلى قرارات عاطفية قد تدفع ثمنها الشعوب قبل الحكومات، وليست دعوة إلى تجاوز القانون الدولي، بل إلى استخدام الأدوات المشروعة التي يمنحها القانون والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية. بل إن العالم العربي يمتلك دولاً ذات ثقل سياسي واقتصادي، ويمتلك أسواقاً كبيرة، ومؤسسات مالية وتنموية، وعلاقات دولية واسعة، ومواقع جغرافية استراتيجية، وقدرة على التأثير في ملفات الطاقة والتجارة والاستثمار، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات مع القوى الكبرى.
فإذا كانت هذه الأوراق موجودة، فلماذا لا تتحول إلى استراتيجية عربية أكثر تنسيقاً؟، لماذا لا يكون هناك موقف عربي طويل النفس، لا يتغير بتغير العناوين اليومية؟، لماذا لا يصبح وقف استهداف المدنيين، وإيصال المساعدات، وحماية المستشفيات، ورفض التهجير القسري، ودعم المسارات القانونية الدولية، أهدافاً دبلوماسية عربية مستمرة لا مجرد بيانات موسمية؟، ولماذا لا يُنظر إلى السودان بالجدية نفسها التي ينظر بها العرب إلى أزماتهم الأخرى؟، فالسودان ليس خبراً عابراً. إنه بلد عربي، وعمقه الإفريقي جزء من الأمن العربي، واستقراره مرتبط بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي والأمن الغذائي والهجرة والاقتصاد الإقليمي، والأمم المتحدة تحذر أصلاً من أن خطر اتساع عدم الاستقرار الإقليمي في السودان مرتفع.
ليست غزة وحدها
حين نتحدث عن غزة والسودان، لا ينبغي أن ننظر إلى المأساة باعتبارها جزراً منفصلة، فهناك اليمن وسوريا وليبيا والصومال وغيرها من المناطق التي أثقلتها الحروب والانقسامات والفقر والنزوح، وإن اختلفت طبيعة كل أزمة وأسبابها، لكن الخطأ الأكبر هو أن يتحول تراكم الأزمات إلى اعتياد، فالإنسان عندما يسمع يومياً عن عشرات الآلاف أو الملايين، قد يفقد الإحساس بحجم الرقم. فهناك 34 مليوناً في السودان، و2.9 مليون يحتاجون إلى المساعدة الصحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و4.5 مليون فروا عبر حدود السودان.
إنها أرقام هائلة إلى درجة أنها تكاد تفقد معناها الإنساني، لكن الرقم لا يفقد قيمته لأننا اعتدنا سماعه، بل نحن الذين نفقد شيئاً من حساسيتنا عندما نعتاد المأساة.
ماذا لو جاء الدور؟
أكثر ما يثير القلق ليس السؤال: ماذا يحدث الآن؟، بل السؤال: ماذا يحدث عندما يصبح الصمت قاعدة؟. لقد أصبحت حماية المدنيين مرتبطة بموازين القوة فقط، وإذا أصبح القانون الدولي أقوى على الورق من الواقع، وإذا أصبح المجتمع الدولي يرفع صوته في قضية ويخفضه في أخرى بحسب المصالح، فما الذي يضمن أن تكون شعوبنا بمنأى عن هذا المنطق غداً؟.لا أحد يستطيع أن يكتب التاريخ بهذه الطريقة، ولا يجوز أن نقول إن «الدور سيأتي علينا» وكأن المستقبل قدر محتوم، لكن من السذاجة أيضاً أن نتصور أن انهيار قواعد حماية المدنيين في مكان ما لا يؤثر في أمن الجميع، فالقانون الدولي ليس خدمة خاصة لشعب دون آخر. ومبدأ حماية المدنيين ليس امتيازاً جغرافياً، والكرامة الإنسانية لا تحمل جواز سفر. من هنا فإن الدفاع عن غزة والسودان ليس دفاعاً عن جغرافيا بعينها فقط؛ إنه دفاع عن قاعدة نريدها أن تبقى قائمة عندما نحتاج إليها نحن.
الصمت الذي لا يشبهنا
ربما يكون السؤال الحقيقي في النهاية ليس: لماذا يصمت العالم؟، بل: لماذا نقبل نحن أن يكون صمتنا أقل من قدرتنا؟، فليس مطلوباً من العرب أن يواجهوا العالم بالشعارات، وإنما أن يخاطبوه بالسياسة والمصالح والقانون والأرقام، كالسعودية ومصر قلبا العروبة الحقة، وليس المطلوب أن نرفع أصواتنا أكثر، بل أن نجعل لأصواتنا أثراً أكبر، فالعالم لا يحترم الموقف لأنه مرتفع الصوت، وإنما لأنه واضح، مستمر، ومدعوم بأدوات. وإذا كان بعض العالم الغربي قد بدأ، ولو بدرجات متفاوتة، في الانتقال من الموقف الأخلاقي إلى القرار السياسي، فإن السؤال العربي لم يعد يحتمل التأجيل: متى ننتقل نحن من التعبير عن الغضب إلى صناعة التأثير؟.غزة لا تحتاج إلى مزيد من الكلمات وحدها، والسودان لا يحتاج إلى مزيد من بيانات الحزن وحدها، والأطفال الذين يواجهون الجوع والمرض والنزوح لا يعرفون الفرق بين بيان صدر في عاصمة وقرار غيّر حياتهم.
وقفة: قد يكون الصمت أحياناً حكمة، لكن أمام قتل المدنيين وتجويعهم وتهجيرهم، يصبح الصمت اختباراً. والاختبار الحقيقي ليس في أن نعرف الحقيقة. بل في ماذا نفعل بعدما عرفناها.