صالح الشادي
ما السرّ في بقاء بعض النساء في قلوب الرجال عقوداً، بينما تتبدد أُخرى كسراب، رغم أن الأولى قد لا تكون الأجمل وجهاً، والثانية قد تكون شمساً في حُسنها؟ أليس الجمال هو الباب الأوّل الذي تطرقه الأنظار؟ بلى، ولكنه باب يُفتح ثم يُوصد، لأن الجمال عَرضٌ زائل، كزهرة تتساقط أوراقها عند أول هبوب، وكضوء القمر الذي يختفي عند طلوع الفجر. أما السحر الحقيقي، السحر الذي لا تبلغه أساطير السحرة، فهو ذلك الربط الأثيري بين روحين، ذلك الإتقان الأنثوي في التعامل مع كينونة الرجل المتشعبة بين صخب العقل وصمت الروح. إنه سحرٌ لا يزول لأنه ليس احتيالاً بصرياً، بل هو حقيقة وجودية، ومعجزة في الفهم، وصنعة في الرعاية، تجعل المرأة حضوراً لا يُنسى، ووطناً لا يُهجر.
الرجل، ذلك المخلوق الذي يظن العالم أنه كتلة من المنطق الجاف، هو في حقيقة أمره كائن يتأرجح بين صرامة العقل وعمق الشعور، وهو يعاني أشد المعاناة من هذا الانقسام الداخلي. وعندما تدرك المرأة أن عقل الرجل يعشق التقدير والوضوح، وأنه يملّ التعقيد ويتبرم بالغموض، هنا يبدأ سحرها الخالد. فسحرها الأول يكمن في أنها لا تغشّيه بالالتباس، بل تمنحه صفاء النية، وتحترم منطقه فتتقن فنّ الاستماع له، وتخاطبه بلغة العقل حين يغلب عليه عقله، فتصبح له مرآة صافية تعكس له أفكاره بصورة أوضح، وتصبح رفيقة حواره لا خصمته. تلك هي الحكمة التي لا تبلى، أن تعرف متى تنطق بمنطق يقنعه، ومتى تصمت بصمت يؤثر فيه ويجعله يتساءل. فهي تعي أن التحدي لعقله يُذلّه ويُقصيه، ولكن احتواء عقله وفتح آفاق له يرفعه ويجعله يرى فيها عقلاً نداً له، وليس مجرد جسدٍ يُعشق.
أما روحه، فهي ذلك الجانب المخفي الذي يهرب من صخب الإنجاز والمعارك اليومية، إنها طفل أبديّ يتوق إلى الأمان والاطمئنان، وهنا يتجلى أعظم سحر للمرأة، وهو أن تكون ملجأً يأوي إليه بعد معترك الحياة القاسي. تستشعر حاجته العميقة إلى التقدير، ليس تقدير إنجازه الخارجي فحسب، بل تقدير كيانه الداخلي. فالرجل يقاتل العالم كل يوم ليثبت وجوده وقيمته، لكنه يذوب كالشمعة حين تشعره امرأة أنه موجود ومقبول بغض النظر عن إنجازه، وأنه يستحق الحب لأنه هو، لا لأنه أنجز. هذه هي القدرة النادرة على رؤية الجوهر الإنساني خلف قناع القوة، وهذا هو السحر الذي يخرق جدران الزمن، لأن احتياج الروح للأمان لا يموت بتجعد الوجه، بل يزداد اشتعالاً مع تعاقب السنين.
وهذا المعنى العظيم لم يأتِ مبتوراً عن سماء الوحي، بل أشار إليه القرآن في آية هي جوهر العلاقة الزوجية، حيث قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21]. فالسكنُ، وهو الطمأنينة العميقة، هو عين السحر الباقي، والمودة والرحمة هما وقود هذا السحر الذي لا ينضب. وكذلك جعل المولى الزوجين لباساً لبعضهما في قوله: هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ [البقرة: 187]، واللباس ليس ساتراً للعورة فحسب، بل هو زينة وقاية وراحة، فكما يستريح الجسد بلباسه، تستريح الروح بزوجها. وما أجمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وصف خير النساء، فقال: «ألا أخبركم بخير نسائكم؟... الودود الولود...»، فالودودية ليست مجرد انفعال عابر، بل هي صنعة روحية وذكاء عاطفي عميق يحول الحياة الزوجية إلى مملكة لا تنتهي صلاحيتها أبداً.
إن المرأة التي تفهم أن الواجب ليس قيداً يكبلها، بل هو حرية في العطاء وإتقان في الحضور، وأن دورها لا ينحصر في صور نمطية جامدة، بل هو حضور كلّي يملأ فراغات الروح وعتمات النفس، تمتلك سلاحاً لا يُهزم. هي لا تسحر عينيه بأنامل الكحل أو ثنايا الجمال، بل تسحر بصيرته بأنامل اللمسة الناعمة التي تمسح عناء يومه، وبكلماتها التي تغرس في خلده فكرة أنه بطل وقائد، حتى وإن كان يشعر بالهزيمة في داخله. هذا السحر لا يزول لأن الزمن لا يمحو الذكريات الحسّية بقدر ما يثبّت المشاعر الوجودية الجوهرية؛ الجمال يبهت وتتغير ملامحه، ولكن الشعور العميق بالانتماء والفهم الصادق يتعمقان مع العمر، ويكتسيان بريقاً لا تمنحه إياهما حداثة السن ولا نضارة الوجه.فأعظم سحر في هذه الحياة الزوجية هو أن تعرف المرأة كيف تكون معجزةً في حياة رجلها، لا بجمالها الذي يفنى، بل بفهمها الذي يبقى ويرقى. هي فن التعامل مع عقله بالمنطق الرقيق المبهر، ومع روحه بالحضن الدافئ الآمن، ومع كبريائه بالاحترام الذي لا يمسّه غبار، ومع ضعفه بالرحمة التي لا تشعره بالذل. تلك هي الكيمياء الإلهية التي حوّلت علاقة البشر ببعضهم إلى سمو أبدي، وجعلت من الزواج ميثاقاً غليظاً ليس بالورق، بل بالوجدان. ومن تملّكت هذا العلم النادر، ملكت القلوب، لا بالسيطرة والقهر، بل بالاستيطان في عمق الوجدان، وهنا يكمن السحر الأبدي الذي لا تبلغه تعاويذ السحرة، لأنه سحر الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وحكمة النفس التي منحها من يشاء من عباده.