د. غالب محمد طه
لم أكن أخطط لمتابعة مسلسل الإمام أحمد بن حنبل بهذه الطريقة. بدأت المشاهدة بدافع الفضول، ثم وجدتني أتابع حلقة بعد أخرى بشغف متزايد. كانت التفاصيل تشدني، والأسئلة التي يفتحها كل مشهد تجعلني أنتقل إلى الحلقة التالية قبل أن أشعر. وفي أيام قليلة كنت قد أنهيت الحلقات الثلاثين، لا لأنني كنت أبحث عن قصة مجهولة، بل لأنني شعرت أنني أقترب من زمن أعرفه من الكتب، ولم أره من قبل.
لم يكن أكثر ما استوقفني دقة التفاصيل التاريخية، بل ذلك الإحساس الغريب بأنني أصبحت أعرف وجوه رجال لم أعش معهم. بغداد صارت مدينة، والشافعي صار شخصًا له حضور إنساني؛ له تردد في عينيه، وله مشية، وله توقفات بين الكلمات جعلته أقرب إلى الإنسان منه إلى الاسم المعلّق على جدار الذاكرة.
وهنا بدأت أفكر أن قيمة العمل التاريخي لا تُقاس فقط بما ينقله من معلومات، وإنما بما يفعله في ذاكرتنا؛ فبعض الماضي لا نعرفه حقًا إلا حين يصبح له وجه وصوت ومكان.
خرجت من العمل وأنا أشعر أن التاريخ لم يعد مجرد أحداث، بل أمكنة يمكن السير فيها، وغرفًا يمكن دخولها، ووجوهًا يمكن التحديق فيها بانتظار رد فعل.
بعد أيام، عدت إلى كتب التراجم. الوقائع نفسها، والأسماء نفسها، وكثير من الحوارات التي حفظتها الشاشة وجدتها بين السطور. لكن بغداد عادت اسمًا، والشافعي عاد سطورًا، والمناظرات عادت نصوصًا. الصفحات كانت تخبرني، بينما كانت الصورة تجعلني أعيش.
لم يُضِف المخرج واقعة جديدة إلى التاريخ. لم يخترع أحداثًا، ولم يغيّر مسارًا، ولم يضع كلمات في أفواه لم تنطق بها. لكنه منح تلك الشخصيات حضورًا.
توقفت عند هذه الفكرة طويلًا.
كيف يصبح الماضي مرئيًا؟
عندما أقرأ، أعرف أن الإمام أحمد عاش هنا، وأن الشافعي مرّ من هناك، وأن بغداد كانت تموج بالعلم والمناظرات. أعرف التواريخ، وأعرف أسماء الشيوخ، وأعرف سياقات الخلاف. لكن الشاشة فعلت شيئًا آخر: جعلتني أرى الطريق الذي كان يسلكه، وأتخيل وقع خطواته، وأنتظر جوابًا قبل أن ينطق به صاحبه، وكأنني حاضر في المجلس.
لم تضف الشاشة معلومة واحدة إلى ما قرأته، لكنها أضافت شيئًا لم أجده بين السطور: الجسد. ذلك العنصر الذي لا تمنحه لنا كثير من الكتابة التاريخية، والذي يجعلنا نشعر بأن هؤلاء الناس لم يكونوا أسماءً في الكتب، وإنما بشرًا عاشوا، ومشوا، وتحدثوا، واختلفوا.
عدت بعد ذلك إلى الكتب مرة أخرى. لم أبحث عن تاريخ وفاة، ولا عن اسم شيخ، ولا عن رواية مختلفة. كنت أبحث عن ذلك الحضور الذي تركته الصورة في ذهني، فلم أجده.
وهنا ظهرت المفارقة:
هل نحن نتذكر التاريخ، أم نتذكر صورته؟
المعرفة تخبرنا بما حدث، أما الصورة فتمنح ذاكرتنا إحساسًا بأنها اقتربت من الحدث. الفرق بينهما كبير. فالمعرفة قابلة للمراجعة والتصحيح؛ يمكن للمؤرخ أن يأتي غدًا فيقول إن تفصيلًا في الملابس لم يكن دقيقًا، أو إن ترتيب بعض الوقائع اختلف، وسنقبل ذلك ونصحح معلوماتنا.
لكن الصورة التي رسمتها الشاشة تبقى أكثر مقاومة للنسيان.
غير أن هذه القوة نفسها تحمل خطرًا خفيًا. فالصورة لا تكتفي بإحياء الماضي، وإنما تعيد تشكيله أيضًا. وقد تترك في الذاكرة تفاصيل لم يقل بها التاريخ أصلًا، فقط لأنها بدت مقنعة على الشاشة. فالممثل الذي يجسد شخصية تاريخية قد يصبح الوجه الوحيد الذي نستحضره كلما ذُكر اسمها، حتى لو جاءت الدراسات لاحقًا بصورة مختلفة.
وهنا تصبح مسؤولية العمل التاريخي أكبر من مجرد الإمتاع؛ لأنه لا يقدم لنا الماضي كما كان فحسب، بل يشارك في صناعة الطريقة التي سنتذكره بها.
ولعل هذا ما يفسر بقاء بعض الشخصيات التاريخية معنا كما رأيناها، لا كما قرأناها. نتذكر وجهًا أو نبرة صوت أو مجلسًا أكثر مما نتذكر صفحة كاملة. فالصورة لا تسكن العقل وحده، بل تدخل عبر الحواس: هيئة الرجل، ونبرة صوته، وحركة يده، والمكان الذي يقف فيه. وحين ترتبط المعلومة بصورة، تصبح أقرب إلى تجربة شخصية منها إلى معرفة مجردة.
الصورة تفعل شيئًا تعجز عنه الكلمات. تمنح الماضي شيئًا يشبه الجسد والمكان والوجه الذي يمكن التذكر به. تمنحنا إحساسًا مؤقتًا بأننا كنا هناك، وأن المسافة بيننا وبين أولئك الذين عاشوا قبل قرون أصبحت أقصر.
وحين يقدم المخرج عملًا تاريخيًا، فهو لا يقدم سردًا للأحداث فقط، بل يصنع تجربة في الذاكرة. يضع أمامنا صورة نحملها معنا، نستدعيها كلما مر اسم ذلك الرجل في كتاب أو حديث، فلا نراه مجرد سطور، بل نراه إنسانًا.
ولا تتعارض الصورة مع التاريخ، ولا تحل محله. فالمؤرخ يبحث عن الحقيقة، بينما يبحث الفنان عن الحضور. وبين الحقيقة والحضور تنشأ المساحة التي تجعل الماضي قريبًا منا.
لذلك لا ينبغي أن نحاكم الأعمال التاريخية بقدرتها على استبدال الكتب، فهذه ليست مهمتها. قيمتها الحقيقية أنها تفتح بابًا إلى الماضي، بشرط أن تبقى الصورة جسرًا إليه لا بديلًا عنه. فحين تنجح الدراما في منح التاريخ حضورًا دون أن تستولي عليه، فإنها لا تروي الماضي فقط، وإنما تساعدنا على فهم علاقتنا به.
في النهاية، ليست المشكلة أن نتذكر التاريخ من خلال الصور، بل أن ننسى أنها صور. فالمعرفة تظل مرجعنا في التحقق، لكن الصورة تمنح تلك المعرفة حياةً وملامح. وبين ما نعرفه وما نتخيله تنشأ الذاكرة التي نحمل بها الماضي معنا، لا بوصفه أحداثًا بعيدة، بل عالمًا لا يزال قادرًا على الحضور.