أمل حمدان الشريف
لفتني في الحساب الرسمي لإمارة منطقة المدينة المنورة على منصة «إكس» التقرير الزمني الذي يستعرض رحلة التطور العمراني للمدينة المنورة؛ لا باعتباره توثيقًا لمراحل البناء والتوسع فحسب، وإنما بوصفه قراءة بصرية لتحولات مدينة ظلّت، رغم اتساعها وتبدّل ملامحها، محتفظة بجوهر هويتها وخصوصية مكانها.
تكشف المحطات الزمنية التي يستعرضها التقرير مسارًا عمرانيًا متدرجًا؛ مما قبل القرن العشرين، حيث سادت العمارة التقليدية القائمة على الطين والحجر البركاني والخشب، بدأت المدينة تدخل لاحقًا مراحل متتابعة من التحول العمراني، وصولًا إلى صورتها الحديثة.
وفي الفترة من 1900 إلى 1950، بدأت ملامح الانتقال التدريجي من أنماط البناء التقليدية إلى أساليب ومواد أكثر حداثة، مع استمرار حضور الطابع المحلي في النسيج العمراني للمدينة.
ثم جاءت مرحلة 1950 إلى 1980 لتشهد تحولًا أكثر وضوحًا؛ إذ اتسع نطاق المدينة، وانتشرت المباني الخرسانية، وتطورت الطرق والخدمات، بالتزامن مع مراحل مهمة من توسعة المسجد النبوي وما صاحبها من نمو عمراني وخدمي.
أما الفترة من 1980 إلى 2000، فمثّلت مرحلة أكثر اتساعًا في النمو الحضري؛ توسعت الأحياء، وظهرت المنشآت التجارية والخدمية، وتطورت شبكات الطرق والبنية التحتية، لتستجيب المدينة للنمو السكاني المتزايد ولتنامي أعداد الزائرين.
ومع دخول الألفية الجديدة، وتحديدًا خلال الفترة من 2000 إلى 2015، تسارعت وتيرة المشاريع العمرانية والخدمية، وشهدت المدينة توسعات ومشروعات كبرى، من بينها ما ارتبط بالمسجد النبوي والمنطقة المركزية، إلى جانب إنشاء الفنادق والمرافق والخدمات التي أعادت تشكيل المشهد الحضري المحيط بقلب المدينة.
ثم منذ عام 2016 وحتى اليوم، دخلت المدينة مرحلة جديدة من التطوير، تقوم على التخطيط الحضري، وتطوير البنية التحتية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الخدمات، مع حضور متزايد لمفاهيم الاستدامة والحفاظ على الهوية، في سياق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
لكن ما يلفت في هذه الرحلة الزمنية أن العمران في المدينة المنورة لم يكن يومًا منفصلًا عن مكانتها؛ فكل تحول عمراني ارتبط بحاجات مدينة تستقبل الزائرين، وتتوسع أحياؤها، وتتطور خدماتها، فيما يبقى المسجد النبوي في قلب المشهد ومحوره الأبرز.
ومن هنا تصبح قراءة تطور المدينة عمرانيًا قراءةً في تاريخها الاجتماعي والثقافي أيضًا. فالمباني والطرق والأحياء ليست مجرد كتل إنشائية، وإنما شواهد على تغير أنماط الحياة، واتساع احتياجات السكان، وتطور علاقة الإنسان بالمكان.
واللافت أن هذا التسلسل، الممتد من ما قبل 1900 إلى 2026، لا يقدم الماضي بوصفه مرحلة انتهت، بل يضعه ضمن سياق متصل يصل إلى الحاضر والمستقبل.
فالتنمية العمرانية الحديثة لا تعني بالضرورة محو الذاكرة، وإنما تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف تتقدم المدينة دون أن تفقد ملامحها؟
وهنا تحديدًا تتجلى أهمية الوعي بالعمران؛ فالمدينة المنورة ليست مساحة مفتوحة للبناء فقط، بل مدينة ذات ذاكرة. أحياؤها القديمة، وأسواقها، وعمارتها، ومزارعها، ونخيلها، وطرقها ومعالمها، كلها أجزاء من سردية مكان تشكلت عبر أزمنة متعاقبة.
ولذلك فإن توثيق مراحل التطور العمراني ليس ترفًا بصريًا، بل فعل ثقافي يحفظ للمدينة ذاكرتها، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم كيف تشكلت طيبة التي نراها اليوم.
ومن منظور ثقافي، أرى أن المرحلة المقبلة تستحق قراءة أعمق لهذا التحول؛ قراءة لا تكتفي بالأرقام والمشروعات، وإنما تنظر إلى الإنسان والمكان والذاكرة معًا: ماذا بقي من المدينة القديمة؟ وكيف يمكن إعادة قراءة عناصرها التراثية؟ وكيف يمكن أن يصبح التطور العمراني امتدادًا لسردية المدينة، لا قطيعة معها؟
فالمدينة التي تتطور ليست بالضرورة مدينة تنسى ماضيها، كما أن الحفاظ على الذاكرة لا يعني تجميد المكان عند صورته القديمة. التحدي الحقيقي هو صناعة توازن يجعل الحداثة امتدادًا للهوية، ويمنح الماضي موقعًا حيًا داخل المستقبل.
والمدينة المنورة، وهي تمضي بثقة نحو مستقبلها، تملك فرصة استثنائية لصناعة نموذج عمراني يوازن بين التنمية والهوية، وبين الحداثة والذاكرة، وبين التخطيط وروح المكان.
فالمدن العظيمة لا تُقاس فقط باتساعها ولا بارتفاع مبانيها، وإنما بقدرتها على أن تجعل من ذاكرتها عنصرًا حيًا في مستقبلها.
والمدينة المنورة، عبر محطات تطورها العمراني، لا تروي حكاية مبانٍ تغيّرت فحسب؛ إنها تروي حكاية مكان تغيّر كثيرًا، لكنه لم يفقد روحه.
فالعمران يتغير.. لكن المدينة التي تعرف قيمة ذاكرتها، تستطيع أن تجعل من ماضيها أساسًا لمستقبلها.