د. طلال الحربي
قبل سنوات، حين كنت أقف أمام خرائط الطرق في مشاريع بنية تحتية كبرى، كنت أتساءل: من يمسك بالصورة كاملة؟ من يرى الطريق لا كمشروع إنشاء يُنجَز ويُغلَق ملفه، بل كشريان حي يحتاج من يتابعه من لحظة التخطيط حتى آخر يوم في دورة حياته؟ هذا السؤال لم يكن نظرياً. كان عملياً بامتياز. والإجابة عنه، في كثير من الأنظمة، كانت محبطة. لا أحد يمسك بالصورة كلها، لأن المهمة مقسّمة بين جهات لا يتحدث بعضها مع بعض بالسرعة الكافية.
لهذا تحديداً، حين صدر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على تنظيم الهيئة العامة للطرق، قرأت فيه ما هو أبعد من مجرد قرار إداري.
وزارة النقل والخدمات اللوجستية لم تُولَد الهيئة العامة للطرق من فراغ. وُلدت من رحم هذه الوزارة. من تجاربها في إدارة مشاريع بنية تحتية ضخمة، ومن الدروس التي استخلصتها على مدار سنوات من العمل الميداني والمؤسسي. الوزارة التي تشرف على موانئ وطيران وسكك حديد ولوجستيات لم تنسَ الطريق الممتدة بين كل هذه العناصر، وكانت هي نفسها تحمل هذا الملف قبل أن يحين وقت نضجه المؤسسي.
معالي وزير النقل والخدمات اللوجستية، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للطرق، يجمع في هذه المهمة المزدوجة ما لا يجتمع دائماً: الإشراف الاستراتيجي على المنظومة الكاملة، والمتابعة المباشرة لقطاع الطرق بوصفه ركيزة لا تقوم المنظومة دونها. وهذا التصميم المؤسسي ليس ارتجالياً. هو في الواقع ضمان حوكمي يربط الهيئة الوليدة بأمها التنظيمية دون أن يفقدها استقلاليتها التشغيلية.
من تابع جهود الوزارة خلال السنوات الماضية يلاحظ نمطاً واضحاً: وزارة لا تكتفي بتنفيذ المشاريع، بل تبني الأطر التي تجعل التنفيذ مستداماً. التشريعات، والمعايير الفنية، وبرامج التأهيل، والشراكات الدولية، كلها أدوات كانت تُعدّ في الخلفية قبل أن تظهر نتائجها. صدور تنظيم الهيئة العامة للطرق هو واحد من هذه النتائج التي تراكمت بهدوء واستوجبت وقتها.
فدعم القيادة.. الأساس الذي لا يُبنى بدونه ولن أتحدث عن هذا الجانب بأسلوب التقرير الرسمي. سأتحدث عنه بالطريقة التي يفهمها كل من عمل في قطاع كبير: المؤسسات لا تنهض بقرارات إدارية وحدها. تنهض حين تجد خلفها إرادة سياسية حقيقية تفتح لها الأبواب وتوفر لها البيئة الصحية للنمو.
الدعم الذي أبدته القيادة لقطاع النقل والخدمات اللوجستية لم يكن دعماً موسمياً يظهر في المواسم ثم يخفت. كان دعماً ممنهجاً تجلّى في تخصيص الاستثمارات، وفي رفع سقف الطموح، وفي إعطاء هذا القطاع مكانة محورية ضمن مستهدفات رؤية 2030. وحين تجد مؤسسة كالهيئة العامة للطرق دعماً من هذا المستوى في لحظة انطلاقها، فهي تبدأ بأصول معنوية ومؤسسية لا تقل أهمية عن أصولها المالية والفنية.
صدور النظام بموافقة مجلس الوزراء هو تتويج لمسار، لا انطلاقة من الصفر. ومعالي الوزير، الذي كان يتابع هذا الملف بشكل مباشر ومستمر، يعرف أكثر من غيره ثقل هذه اللحظة وما استلزمته من جهد وإعداد.
الهيئة العامة للطرق.. ليست إعادة توزيع للمهام فأحياناً حين تُعلن هيئة جديدة، يتساءل المتخصصون: هل هي إعادة هيكلة لما هو قائم، أم إضافة حقيقية؟ في حالة الهيئة العامة للطرق، الإجابة في صلب التنظيم نفسه. هيئة مستقلة بولاية واضحة على قطاع محدد، وإدارة متخصصة، وأدوات تنظيمية تختلف عن أدوات الوزارة الأم. هذا ليس تغييراً في الاسم، بل تغيير في طريقة العمل.
شبكة الطرق في المملكة العربية السعودية واحدة من أوسع الشبكات في المنطقة وأكثرها تعقيداً من حيث التضاريس والمسافات. إدارة هذه الشبكة تحتاج جهة تتفرغ لها، تبني قواعد بيانات دقيقة عن أحوالها، تخطط لصيانتها وفق منهجية علمية، تتعامل مع المقاولين والمستثمرين من موقع صلاحية تنظيمية كاملة. الهيئة ستكون هذه الجهة. والمستفيد الأول ليس الجهاز الحكومي، المستفيد الأول هو كل شخص يسلك طريقاً في هذه المملكة يومياً.
وتستمر إنجازات الوزارة فتحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- تستعد المملكة لاستضافة النسخة الثانية من المنتدى اللوجستي العالمي خلال الفترة من 29 نوفمبر إلى الأول من ديسمبر 2026، في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات بالرياض.
الرعاية الملكية ليست بروتوكولاً شرفياً. هي رسالة للعالم قبل أن تكون توجيهاً داخلياً. حين يحظى منتدى دولي بهذا المستوى من الرعاية، فإن ذلك يرفع سقف توقعات المشاركين الدوليين ويضع المملكة في موقع المضيف الجاد الذي لا يعقد فعالية للصورة، بل يبني من خلالها علاقات وشراكات وصفقات حقيقية.
والدليل أمامنا: النسخة الأولى منه أثبتت هذا المنطق بوضوح. ثلاثون دولة، وأكثر من ثلاثة عشر ألف مشارك، وما يزيد على مئة وأربعين متحدثاً، وسبعون اتفاقية تعاون بقيمة تجاوزت ستة عشر مليار ريال. هذه ليست أرقام إعلانية تُكتب ثم تُنسى، بل هي عقود ومذكرات تفاهم تتحول إلى مشاريع ووظائف وحركة اقتصادية فعلية.
النسخة الثانية ستحمل ثقل توقعات أعلى. وهذا في حد ذاته مؤشر نجاح. المنتديات الناجحة هي تلك التي يعود إليها المشاركون لأنهم وجدوا في نسختها السابقة ما يستحق العودة.
يتزامن المنتدى هذه المرة مع منتدى الأمم المتحدة العالمي لسلاسل التوريد، وهو تزامن ينبغي قراءته باهتمام. لم يحدث عبثاً. الجمع بين حدثين بهذا الثقل في مكان واحد يحول الرياض إلى عاصمة لوجستية للنقاش الدولي في تلك الفترة، ويجعل الحضور فيها اختياراً استراتيجياً لا مجرد مشاركة في فعالية.
حين أنظر إلى مشهد النقل والخدمات اللوجستية في المملكة اليوم، أرى منظومة متسقة أجزاؤها تعرف بعضها. الهيئة العامة للطرق تُعزز البنية التحتية البرية. المنتدى اللوجستي يبني الشراكات الدولية. الوزارة تمسك بالخيوط الاستراتيجية كلها. والقيادة توفر الغطاء والدعم اللذين يجعلان الجهد مثمراً.
هذا النوع من التناسق المؤسسي ليس أمراً مضموناً. كثير من الدول تملك مكونات المنظومة لكنها تعجز عن جعلها تعمل معاً. ما يحدث في المملكة يستحق أن يُقرأ بموضوعية : مؤسسات تُبنى، وقرارات تُتخذ في وقتها، ومنتديات تصنع حضوراً دولياً حقيقياً.
من عمل في هذا الميدان ، يعرف أن المسافة بين الخطة والإنجاز الفعلي طويلة وشاقة. وحين يقطعها الناس، يستحقون أن يُقال لهم ذلك صراحة.