ناصر المحيّاني
لقد أصبح أمن الممرات البحرية وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب جزءاً من معادلة أوسع نطاق تتقاطع فيها سيادة الدول مع حرية الملاحة، ويتداخل فيها الأمن الإقليمي مع استقرار الاقتصاد الدولي، حيث لم يعد أمن الملاحة في الخليج مسألة بحرية بالمعنى الضيق، ولا مجرد ملف أمني يتعلق بحماية السفن وناقلات النفط.
وفي ضوء ما تفرضه التطورات الراهنة في المنطقة يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري وهو: كيف يمكن حماية حرية الملاحة دون تحويل القوة إلى وسيلة لفرض الإرادة، وكيف يمكن في الوقت ذاته حماية سيادة الدول من أن تصبح الملاحة الدولية ذريعة لتجاوزها؟ ولاسيما أن هذه المعضلة ليست جديدة على القانون الدولي، لكنها أصبحت أكثر إلحاحاً في المنطقة.
وحيث إن مضيقي هرمز وباب المندب يقعان ضمن بيئة قانونية تحكمها قواعد قانون البحار، ولاسيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي أنشأت نظاماً قانونياً خاصاً للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية، فقد تقرر في المادة (34) منه أن نظام المرور في المضائق لا يمس الوضع القانوني للمياه التي تتكون منها تلك المضائق، ولا ممارسة الدول المشاطئة لسيادتها أو ولايتها، على أن تتم ممارسة هذه السيادة مع مراعاة أحكام الاتفاقية وسائر قواعد القانون الدولي. وهو ما يعكس توازناً دقيقاً بين ممارسة الدول المشاطئة لسيادتها من جهة، وضمان استمرار الملاحة الدولية وفق القواعد القانونية من جهة أخرى. وفي المقابل، تقضي المادة (44) بعدم إعاقة المرور العابر أو تعليقه أو عرقلته، وتلزم الدول المشاطئة بألا توقفه.
وبما أن السيادة حق قائم من جهة، لكنها ليست سلطة مطلقة في مواجهة الالتزامات التي يفرضها النظام القانوني للملاحة الدولية من جهة أخرى، فالدول الساحلية تمتلك السيادة، والسفن تتمتع بحق المرور وفق النظام القانوني المقرر، وكلاهما مقيد بقواعد القانون الدولي، ووفقاً لهذا التوازن، فإن استهداف السفن التجارية أو تهديد سلامة الملاحة يجعل الأمر يتجاوز حدود الحادث الأمني المنفرد، وبالتالي لا يعود الأمر متعلقاً بمصلحة دولة العَلَم وحدها، وإنما يمس بنية الملاحة الدولية ذاتها.
ومن حرية الملاحة إلى أمن الملاحة، ثمة فرق جوهري في المفهومين، فالأول مفهوم يتعلق بالحق القانوني في العبور وفق القواعد المقررة، أما الثاني فيتعلق بالبيئة الأمنية التي تجعل ممارسة هذا الحق ممكنة فعلاً، وفي المقابل لا تكتمل القيمة العملية لحق قانوني في المرور حين تخشى السفن أن يؤدي عبورها إلى تعرضها للتهديد، فالحق في الملاحة لا تكتمل قيمته بمجرد تقريره في النصوص، وإنما بوجود البيئة التي تمكن السفن من ممارسته بصورة آمنة وفعالة، لذا فإن أمن الملاحة لم يعد شأناً وطنياً فحسب، بل أصبح مصلحة دولية مشتركة.
وحول ذلك يتضح أن حماية الملاحة لا تبدأ عند نقطة التهديد وإنما قبل وقوعه، فتبادل المعلومات والتنسيق والإنذار المبكر ورفع الجاهزية والردع، مسائل تتجاوز بعدها العسكري، لتصبح جزءاً من منظومة قانونية ومؤسسية متكاملة تتوافق مع مقاصد الأمم المتحدة، فمشروعية التعاون الدولي لا تتحدد بطبيعته العسكرية، وإنما بهدفه وإطاره القانوني وطبيعة الأعمال التي يباشرها وحدود استخدام القوة فيها، ومن ثم فإن التعاون العسكري لا يمثل بمجرده خروجاً عن النظام الدولي.
وعن دور المملكة في الانتقال من حماية المصالح إلى بناء القدرة الجماعية، فإن التحركات الأخيرة لها يمكن قراءتها بوصفها جزءاً من تحول أوسع في مفهوم الأمن الإقليمي، ولا سيما في ظل توجهها نحو تعزيز التنسيق الدفاعي والأمني مع شركائها، ورفع مستوى الجاهزية والتعاون في حماية الممرات والمصالح البحرية، كما يتجلى في التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة المملكة، وهو تحرك أعلن مؤسسوه التزامهم بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي والمعاهدات الدولية، بما يجعل حماية الملاحة جزءاً من منظومة أمن جماعي لا تنفصل عن الإطار القانوني الدولي، وكذلك في اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي يعزز مفهوم الردع والدفاع الجماعي، فالمملكة لم تعد تتعامل مع أمن الممرات البحرية باعتباره ملفاً منفصلاً عن أمنها الوطني، وإنما باعتباره جزءاً من شبكة المصالح التي تربط مضيقي هرمز وباب المندب بالتجارة الدولية والطاقة وسلاسل الإمداد، وحيث إن تهديدات الملاحة قد تدفع شركات وناقلات إلى تغيير مسارها ورفع تكاليف التأمين المرتبطة بالمخاطر، الأمر الذي يكشف أن أثر التهديد البحري لا يتوقف عند الناقلة المستهدفة، وإنما يمتد إلى الاقتصاد وسلاسل الإمداد.
فبدلاً من أن تظل حماية الملاحة معتمدة على تدخلات ظرفية، اتجهت المملكة إلى بناء ترتيبات تسمح بتبادل المعلومات وتنسيق القدرات ورفع الجاهزية وتوزيع الأدوار، بما يجعل الأمن البحري أكثر استدامة وأقل اعتماداً على ردود الأفعال، وتلتقي هذه الاستراتيجية مع القانون الدولي في حماية حرية الملاحة، وحماية سيادة الدول، ومكافحة الأعمال غير المشروعة ضد السفن، والتعاون الإقليمي، وهنا يبرز الانتقال من أمن رد الفعل إلى أمن المبادرة، فكلما كانت منظومة الردع أكثر تنسيقاً وتعدداً في أطرافها، أصبح إدراك الطرف المعتدي حجم التداعيات المحتملة لأي اعتداء أكثر حضوراً في حساباته، وأصبح احتمال اتساع نطاق الأزمة عاملاً يدخل في تقديراته قبل الإقدام عليها.
وحول تطورات أزمة المضائق، لا ينبغي أن يختزل السؤال في: هل سيفتح المضيق أم سيغلق؟ بل إن السؤال الأعمق هو: هل يستطيع المجتمع الدولي الحفاظ على القواعد القانونية التي وضعها بنفسه عندما تتعرض للاختبار في أكثر المناطق حساسية؟
إن كان ميثاق الأمم المتحدة قد حظر التهديد بالقوة واستخدامها خارج إطاره، وكانت اتفاقية قانون البحار قد قررت حق المرور العابر، وكان القانون الدولي قد اعترف بحق الدفاع الفردي والجماعي في حدوده، وأتاح التنظيمات الإقليمية المتوافقة مع مقاصد الأمم المتحدة، كما بنت الاتفاقيات البحرية الدولية منظومة لمكافحة الاعتداء على السفن وتعزيز أمن الموانئ والملاحة، فإن المشكلة إذن، ليست في غياب القواعد القانونية، بقدر ما هي في قدرة المجتمع الدولي على إنفاذها عندما تصبح تكلفة احترامها مرتفعة، ومنع تحول الممرات الدولية إلى أدوات للضغط السياسي أو العسكري.
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سابقيه: هل يمتلك المجتمع الدولي الإرادة والقدرة على تحويل هذه القواعد من نصوص إلى واقع حقيقي؟ فالقانون الدولي لا يختبر فقط عندما توضع قواعده، وإنما عندما تصبح تكلفة احترامها مرتفعة، وفي زمن تتداخل فيه الطاقة مع التجارة، والممر البحري مع الاقتصاد، والأمن الإقليمي مع الاستقرار الدولي، لم يعد أمن الملاحة دفاعاً عن السفن وحدها، وإنما دفاعاً عن قاعدة أكبر: أن حرية الملاحة لا ينبغي أن تكون امتيازاً لمن يملك القوة، وإنما حقاً تحميه قواعد القانون الدولي.